صبحي شبانة
يشهد العالم بين الحين والآخر أزمات تعيد التذكير بحقائق لا تتغير، وفي مقدمتها أن الجغرافيا تظل اللاعب الأكثر ثباتًا في معادلات السياسة والاقتصاد، فهناك مواقع كتب لها أن تكون في قلب الأحداث مهما تبدلت التحالفات وتغيرت موازين القوى، ويأتي مضيق باب المندب في مقدمة هذه المواقع، فهذا الممر البحري، الذي لا تتجاوز مساحته عشرات الكيلومترات، يمثِّل اليوم أحد أهم شرايين الاقتصاد العالمي، وأحد أكثر النقاط حساسية في منظومة الأمن الدولي، ولم يعد باب المندب مجرد معبر يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، بل أصبح حلقة رئيسية في شبكة التجارة العالمية، تعبره آلاف السفن سنويًا، وتنقل عبره كميات ضخمة من النفط والغاز والبضائع بين آسيا وأوروبا وإفريقيا، ولهذا فإن أي اضطراب يلحق بهذا المضيق لا يبقى محصورًا في نطاقه الجغرافي وإنما تمتد آثاره إلى أسواق المال والطاقة، وسلاسل الإمداد، وأسعار السلع، وثقة المستثمرين، واستقرار الاقتصاد العالمي.
وخلال السنوات الأخيرة، عاد باب المندب إلى واجهة الأحداث نتيجة تصاعد التوترات في البحر الأحمر، والهجمات التي استهدفت سفنًا تجارية، الأمر الذي أعاد طرح تساؤلات جوهرية حول مستقبل أمن الملاحة في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وحول قدرة المجتمع الدولي على حماية حرية التجارة التي تمثِّل ركيزة أساسية للنظام الاقتصادي الدولي، وتزداد هذه المخاوف في ظل استمرار الأزمة اليمنية، وما تشهده المنطقة من تصاعد في التوترات الإقليمية، فكلما ارتفع مستوى التصعيد، ارتفعت معه احتمالات انتقال تداعياته إلى البحر الأحمر، بما يحمله ذلك من مخاطر على الملاحة الدولية، وعلى المصالح الاقتصادية لدول المنطقة والعالم، ولا يمكن قراءة هذه التطورات بمعزل عن المشهد الإقليمي الأوسع، فقد دخل الشرق الأوسط خلال العامين الأخيرين مرحلة شديدة التعقيد، اتسمت بتصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، وتبادل الرسائل العسكرية والسياسية، واتساع رقعة التوتر في أكثر من ساحة، وفي مثل هذه الظروف، تصبح الممرات البحرية من أكثر المناطق عرضة للتأثر بتداعيات الصراعات، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
وتزداد أهمية هذا الملف في ظل تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، وما شهدته وتشهده المنطقة من مواجهات عسكرية رفعت منسوب القلق بشأن مستقبل الأمن الإقليمي، فقد أثبتت التجارب أن أي تصعيد بين القوى الكبرى في الشرق الأوسط لا تقتصر تداعياته على أطرافه المباشرة، بل تمتد إلى الممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها الخليج العربي والبحر الأحمر، ومن هنا، تبرز المخاوف من أن تتحول هذه الممرات إلى ساحات لتبادل الرسائل السياسية والعسكرية، بما يهدِّد حرية الملاحة ويؤثِّر في انسياب التجارة العالمية، ولهذا فإن الحفاظ على أمن باب المندب لم يعد مجرد ضرورة إقليمية، بل أصبح مسؤولية دولية تفرضها أهمية هذا المضيق للاقتصاد العالمي، وهو ما يفسر الحرص السعودي المتواصل على دعم كل الجهود الرامية إلى حماية أمن البحر الأحمر، وترسيخ الاستقرار، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهات تهدِّد مصالح شعوبها والاقتصاد الدولي، ولم يعد التهديد مقتصرًا على السفن أو الناقلات النفطية، بل أصبح يمس الثقة في أمن خطوط التجارة العالمية، فحين تضطر شركات الشحن إلى تغيير مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر وقناة السويس إلى طريق رأس الرجاء الصالح، فإن ذلك يعني زيادة زمن الرحلات، وارتفاع تكاليف الوقود والتأمين، وانعكاس هذه الزيادات على أسعار السلع والخدمات في الأسواق العالمية، لذا فإن استقرار باب المندب لم يعد شأنًا يخص الدول المطلة عليه، بل أصبح مصلحة دولية مشتركة، وقد أثبتت التجربة أن الاقتصاد العالمي أكثر حساسية من أي وقت مضى تجاه اضطراب الممرات البحرية، فجائحة كورونا كشفت هشاشة سلاسل الإمداد، والحرب في أوكرانيا أثبتت مدى تأثير الأزمات الجيوسياسية في الأسواق، والتوترات في البحر الأحمر أكدت أن أمن التجارة العالمية يبدأ من أمن البحار والمضائق.
وفي هذا السياق، يبرز الدور المحوري للمملكة، التي تنظر إلى البحر الأحمر باعتباره فضاءً للاستقرار والتنمية، وليس ساحة للصراعات، فمنذ إطلاق رؤية المملكة 2030، وضعت الرياض الساحل الغربي والبحر الأحمر في قلب مشروعها التنموي، عبر مشروعات عالمية كبرى، مثل نيوم، ومشروع البحر الأحمر، وأمالا، وتطوير الموانئ والخدمات اللوجستية، بما يجعل المنطقة واحدة من أهم مراكز الاستثمار والسياحة والنقل البحري في العالم، ولذا فإن أمن البحر الأحمر بالنسبة للمملكة لم يعد يقتصر على حماية حدودها ومياهها الإقليمية، وإنما أصبح جزءًا من حماية مشروع اقتصادي واستثماري عالمي، يستهدف تحويل المنطقة إلى منصة للتنمية والتواصل بين القارات، وأي تهديد لباب المندب لا يستهدف السفن العابرة فقط، بل يمس بيئة الاستثمار، ويؤثِّر في ثقة الأسواق، ويعرقل مشروعًا تنمويًا تتجاوز آثاره حدود المملكة إلى المنطقة بأسرها، كما تمثِّل مصر ركيزة أساسية في معادلة أمن البحر الأحمر، نظرًا للارتباط الوثيق بين باب المندب وقناة السويس، فأمن المضيق يعني استمرار انسياب حركة الملاحة إلى القناة، بينما يؤدي أي اضطراب فيه إلى تراجع حركة السفن، وانخفاض الإيرادات، وزيادة الضغوط على الاقتصاد العالمي، ولهذا فإن التنسيق السعودي المصري في هذا الملف يمثل عنصرًا مهمًا في حماية أحد أهم الشرايين الاقتصادية في العالم.
وإلى جانب الدور العربي، تتحمَّل القوى الدولية مسؤولية كبيرة في الحفاظ على أمن الملاحة، لأن حرية التجارة البحرية ليست امتيازًا تمنحه دولة لأخرى، بل مبدأ أصيل من مبادئ القانون الدولي، ومن ثم فإن حماية باب المندب تتطلب تعاونًا يتجاوز ردود الفعل المؤقتة إلى بناء آليات دائمة للتنسيق الأمني والبحري، وتبادل المعلومات، وتأمين خطوط الملاحة، بما يحول دون تحول هذا المضيق إلى ساحة مفتوحة للصراعات، غير أن الحلول الأمنية على أهميتها لا تكفي وحدها، فالتجارب أثبتت أن أمن البحر يبدأ من استقرار اليابسة، وكلما اقترب اليمن من استعادة مؤسسات دولته، وتعزيز سلطتها على موانئه وسواحله، تراجعت فرص استغلال هذه المناطق في تهديد الملاحة الدولية، ولهذا، فإن دعم جهود التسوية السياسية في اليمن، ومساندة برامج إعادة الإعمار والتنمية، يمثِّلان استثمارًا مباشرًا في أمن البحر الأحمر، ومن المهم كذلك أن تتبنى الدول المطلة على البحر الأحمر رؤية مشتركة للأمن البحري، تقوم على احترام القانون الدولي، ورفض استخدام الممرات البحرية أداة للضغط السياسي أو العسكري، كما أن تعزيز دور مجلس الدول العربية والإفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن يمكن أن يشكل إطارًا مؤسسيًا أكثر فاعلية للتعامل مع التحديات المشتركة.
إن حماية باب المندب تتطلب أيضًا تطوير منظومات المراقبة البحرية، والاستثمار في التقنيات الحديثة، وتعزيز التعاون الاستخباراتي، وتأمين الموانئ، والتصدي لعمليات التهريب والقرصنة وكل ما من شأنه تهديد سلامة الملاحة. فالتحديات الحالية لم تعد تقليدية، بل أصبحت تجمع بين المخاطر العسكرية والأمنية والاقتصادية والإلكترونية، لقد دخل العالم عصرًا أصبحت فيه الممرات البحرية جزءًا لا يتجزأ من منظومة الأمن الاقتصادي العالمي، ولم يعد مقبولًا أن تتحول هذه الممرات إلى رهينة للصراعات أو أوراق للمساومة السياسية، فالدول التي تسعى إلى المستقبل تبني الجسور، وتؤمن طرق التجارة، وتخلق بيئة مستقرة للاستثمار، بينما تؤدي الفوضى إلى خسائر لا يعرف أحد حدودها.
ويبقى باب المندب أكثر من مجرد مضيق بحري؛ إنه اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي على حماية النظام التجاري العالمي، وإثبات أن التعاون الدولي والقانون البحري قادران على صون حرية الملاحة في مواجهة التحديات المتصاعدة، فحين تكون شرايين التجارة آمنة، يصبح الاقتصاد أكثر استقرارًا، وتقترب فرص التنمية والسلام، وفي النهاية فإن مسؤولية حماية باب المندب لا تقع على عاتق دولة بعينها، بل هي مسؤولية جماعية تفرضها المصالح المشتركة، فاستقرار هذا المضيق هو استقرار للتجارة العالمية، وأمنه هو أمن لاقتصادات الدول، وحمايته ليست دفاعًا عن ممر بحري فحسب، بل دفاع عن مستقبل عالم يعتمد، أكثر من أي وقت مضى، على انسياب التجارة، وحرية الملاحة، وسيادة القانون، والتعاون بين الأمم.