د. إبراهيم بن جلال فضلون
«السياسة العامة قد تصبح هي ذاتها رهينة نخبة علمية- تكنولوجية»، بهذه الكلمات حذّر الرئيس الأمريكي الأسبق دوايت أيزنهاور أمته، قبل أكثر من ستين عاماً في خطاب الوداع عام 1961، من خطرٍ ظنّه بعيد المنال: أن يبتلع العلم القرار السياسي. لتكون المفارقة الكبرى اليوم صادمة، لتنقلب المعادلة تماماً، فلم يعد العلم هو من يهدد استقلالية السياسة، بل السياسة هي من باتت تُحكم قبضتها على مصير العلم ومستقبله.
ففي واشنطن، لا تُصاغ القرارات الكبرى دائماً في وضح النهار، بل أحياناً تُخاط في غياهب الظل، تحت عناوين بيروقراطية باهتة لا تستدعي انتباه أحد، وهو بالضبط ما جرى حين تقدّم مكتب الإدارة والميزانية الأمريكي بمقترح يحمل اسماً يبدو تقنياً محضاً: «تنظيم المساعدات المالية الفيدرالية». ليقف خلف هذا العنوان الرمادي واحدة من أخطر عمليات إعادة هندسة السلطة في تاريخ التمويل العلمي الأمريكي الحديث انتقاماً من الرئيس الشعبوي لساحات العلم ومحاربه في آلية جديدة لتوزيع الثقة والعقاب، حيثُ يقترح المكتب، عملياً، إزاحة الخبراء المُستقلين ولجان مراجعة النظراء عن موقع القرار في المنح الفيدرالية، وتسليم هذه الصلاحية إلى معيّنين سياسيين، لتكون النتيجة أن أي مشروع بحثي، مهما بلغت جودته العلمية، يمكن أن يُرفض تمويله أو يُسحب منه في أي لحظة كانت، خاصة إذا رأى فيه المسؤول أنه لا يخدم «أجندات الإدارة»، في معيار فضفاض بلا سقف واضح، يتغيّر وفق تغيّر الأمزجة السياسية لا وفق أي منهجية علمية ثابتة.
ومن الأرقام التي لا تجامل أحداً، ولا تحتمل كثيراً من التأويل، تُشكّل المنح الفيدرالية وحدها نحو 36 سنتاً من كل دولار تنفقه الولايات الأمريكية في ميزانياتها العامة، بمعنى أكثر انفاق من ثلث الإنفاق في قطاعات حيوية عدة، فخلال العام الماضي وحده، أوقفت الإدارة أو جمّدت قرابة 8000 منحة بحثية، لم يُفرَج حتى الآن عن نحو ثلثها، بقيمة تُقارب 1.4 مليار دولار، رغم صدور أوامر قضائية بإعادتها، أما المؤسسة الوطنية للعلوم، وهي الذراع الأكاديمي الأهم في البلاد، فهي في طريقها هذا العام لتقديم نحو 1700 منحة فقط، وهو أدنى رقم تسجله المؤسسة منذ أكثر من نصف قرن. وحين تُعلن مؤسسة أكاديمية بحجم معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا أن أعداد طلاب الدراسات العليا لديها تراجعت بنسبة تقارب 20%، فإن الأمر لم يعد شأناً إدارياً داخلياً، بل مؤشراً على تصدّع فعلي في أحد أعمدة الريادة الأمريكية التاريخية.
والسؤال الحضاري لا السياسي الذي يفرض نفسه هنا ليس حزبياً بحتاً، بل حضاري بامتياز: هل يمكن لدولة بَنَت قوتها التاريخية على استقلالية البحث العلمي أن تواصل قيادة العالم، إذا تحوّل قرار تمويل المختبرات إلى قرار رهين مزاج المسؤول المُناوب فيها؟
المفارقة أن مجلساً استشارياً علمياً تابعاً للمؤسسة الوطنية للعلوم كان يعمل، قبل حلّه المفاجئ في وقت سابق هذا العام، على تحليل يكشف تجاوز الصين للولايات المتحدة في عدد من المجالات العلمية الحساسة، وتفكيك هذا المجلس في تلك اللحظة بالذات لا يمكن أن يُقرأ كمجرد صدفة إدارية عابرة.
ثلاث محطات في مسار العلاقة بين السياسة والعلم
ولفهم حجم هذا التحول، تكفي مقارنة سريعة بين ثلاث محطات زمنية تشكل هندسة التراجع، أي تشريح الهيمنة السياسية على مختبرات المستقبل التي يكشف فيها الرصد الهيكلي للتحولات الراهنة في البيئة العلمية الأمريكية عن مسارٍ خطير يعيد صياغة العلاقة بين السلطة والمعرفة، وينتقل بها من مرحلة الاستقرار المؤسسي» (قبل عام 2020)،حيث كانت الكلمة الفصل للجان مراجعة النظراء والخبراء المُستقلين في بيئة تشجع التعاون الدولي المفتوح ثُم مرحلة «القبضة الشعبوية الحالية(2024- 2026)، والتي تجلت أرقامها في تراجع منح المؤسسة الوطنية للعلوم (NSF) إلى أدنى مستوياتها منذ نصف قرن (نحو 1700 منحة فقط)، وانكماش أعداد باحثي الدراسات العليا في صروح كبرى مثل $MIT$ بنسبة 20% تحت وطأة الملاحقات السياسية والقيود العابرة للحدود. هذا التآكل المتسارع ينذر بمستقبل قاتم يهدد بفرض عزلة علمية شبه كاملة على الولايات المتحدة، حيث سيتحول القرار البحثي إلى رهينة مطلقة في يد الإدارات المتعاقبة، مما يدفع بأبرز العقول والكفاءات إلى هجرة عكسية حتمية نحو مختبرات أوروبا وآسيا، لتفقد أمريكا بذلك تفوقها الجيوتكنولوجي التاريخي نتيجة تقديم الولاء الحزبي على الكفاءة المعرفية.
وحين يصبح التمويل أداة عقاب، تتضح مخاطر تصاعد هجرة العقول نحو أوروبا وآسيا، فهذا المقترح لا يأتي منعزلاً عن سياق أوسع، بل يندرج ضمن نمط متصاعد من إعادة توزيع أدوات الضغط داخل مؤسسات الدولة الأمريكية، حيث باتت أدوات التحقيق والتقاضي والتهديد بحجب التمويل تُستخدم بشكل متزايد في مواجهة الجامعات والمدن والهيئات التي لا تنسجم مع رؤية الإدارة القائمة. وحين تتحوّل الميزانية العامة إلى أداة مكافأة وعقاب سياسي، فإن الخاسر الحقيقي ليس طرفاً بعينه، بل فكرة الدولة المؤسسية ذاتها، القائمة أصلاً على الفصل بين السلطة والمعرفة. والغريب أن مكتب الإدارة والميزانية تلقّى ما يزيد على 60000 ملاحظة اعتراضية على المقترح، وهو رقم يعكس حجم القلق المجتمعي والعلمي معاً.
ومع ذلك، يسعى المكتب إلى إقرار الصيغة النهائية للوائح بحلول الأول من أكتوبر القادم، أي قبل موعد الانتخابات النصفية، في خطوة من شأنها أن تُحصّن القرار من أي مراجعة تشريعية محتملة إذا تغيّر ميزان القوى داخل الكونغرس.
وقفة
لا شيء في الحياة يستحق الخوف، بل يستحق الفهم فقط، ولعل فهم الأزمة اليوم هو الخطوة الأولى نحو حمايتها من أن تتكرر، ولا يتعلق الأمر بمعركة بين تيارين سياسيين مُتنافسين، بل بسؤال أعمق حول طبيعة العقد الذي تريد أمة عظمى أن تحكم به علاقتها بمستقبلها: هل يُصان البحث العلمي بوصفه استثماراً طويل الأمد في الحقيقة، أم يُختزل إلى أداة طيّعة في يد كل سلطة عابرة؟