خالد محمد الدوس
في عصر التكنولوجيا المتقدمة والاتصال الدائم، والانفتاح الثقافي ظهرت سلوكيات اجتماعية خارجة عن قواعد الضبط الديني والقيمي والأخلاقي.. بل ممارسات مقلقة تهدد نسيج الثقة بين الأفراد.
من أبرز هذه السلوكيات ما يُعرف بـ»خيانة المجالس»، وهي قضية مجتمعية مرفوضه أخلاقياً واجتماعياً، تشكل انتهاكاً صارخاً للقيم التربوية السليمة والمعايير الاجتماعية التي تحترم الخصوصية وتقدس الثقة بين الأفراد.
قضية -لاشك- اتخذت أبعاداً جديدة في واقعنا المعاصر باستخدام الوسائل التقنية لانتهاك خصوصية الآخرين دون وعي أو إدراك منهم!.
خيانة المجالس ليست ظاهرة حديثة الولادة، بل هي سلوك قديم حذرت منه شريعتنا الإسلامية والأعراف الاجتماعية منذ الأزل، ويُعتبر هذا الفعل من الخصال الذميمة التي تدل على خّسة صاحبها وعدم أمانته. لكن «الجديد اليوم» هو توافر أدوات تكنولوجية سهّلت ارتكاب هذه الخيانة وزادت من آثارها المدمرة ووسعت دائرتها المظلمة..!.
أصبح من الشائع أن يجالسك شخص وبيده هاتف ذكي يصوّرك أو يسجل كلامك دون علمك، متذرعاً بحجج واهية لتبرير فعله المشين..! هذا الانتهاك يتضمن التقاط مقاطع فيديو أثناء الأحاديث الشخصية أو تسجيلات صوتية للمناقشات الخاصة.. أو تقاطيع شاشة للمحادثات المرئية عبر تطبيقات الاتصال.. وبث مباشر للمجالس دون علم المشاركين فيها..!.
طبعاً تطورت هذه الممارسة الرخيصة مع تطور تقنيات الهاتف والثورة الرقمية، حيث صار بإمكان أي شخص.. استخدام تطبيقات التسجيل المدمجة في الهواتف الذكية.. والاعتماد على برامج متخصصة في التسجيل.. أو التقاط صور للشاشة أثناء المكالمات المرئية واحتفاظ تلقائي بالتسجيلات في سحابة الهاتف!.
الأكيد أن لهذه السلوكيات العبثة دوافع نفسية واجتماعية تسهم في نشر ثقافة «خيانة المجالس» في واقعنا المعاصر، فالدوافع النفسية تتمثل في الاضطرابات الشخصية وضعف الثقة بالنفس، أو محاولة الإساءة للطرف المسجل بينما تتمثل الدوافع الاجتماعية في الرغبة في الإثارة وكسب الاهتمام عبر مشاركة «أسرار» الآخرين، والمنافسة غير الصحية في بيئة العمل أو العلاقات الاجتماعية، خاصة عندما ينتشر مثل هذا السلوك يضعف الترابط الاجتماعي ويصبح البعض أكثر حذراً وانغلاقاً على نفسه خوفاً من الخيانة الرقمية..!.
ولاشك أن لهذه القضية المجتمعية آثاراً مدمرة .. منها التسبب في انهيار الثقة بين الأفراد والأصدقاء.. والإحساس الدائم بالريبة والشك في نوايا الآخرين..! إلى جانب الضرر المعنوي والمادي الذي قد يلحق بالضحية..! وتفكك الروابط الاجتماعية وانهيار قيم الصداقة والأخوة وكذا انتشار ثقافة الوشاية والتصيد لأخطاء الآخرين. فضلاً عن تآكل مفهوم» الخصوصية» كقيمة اجتماعية.
ولعظم الأمر تحرّم الشريعة الإسلامية الخيانة ومظاهرها بشكل قاطع، استناداً إلى القرآن الكريم: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ ، وكذلك السنة النبوية التي شددت على حفظ الأسرار وعدم إفشاء ما يجري في المجالس واحترام الخصوصية.
ولذلك تعتبر معظم التشريعات الحديثة تسجيل الأشخاص أو تصويرهم دون علمهم انتهاكاً للخصوصية، وتفرض عقوبات على هذه الممارسات تتراوح بين الغرامات المالية والسجن، خاصة إذا تم استخدام التسجيلات للابتزاز أو التشهير!.
ما نراه اليوم ليس مجرد (انهيار أخلاقي) عابر..!، بل هو تحول (بنيوي) في النسيج الاجتماعي؛ حيث يتحول الفرد من «جليس» إلى «مراقب»، ومن «صديق» إلى «مُخزّن للملفات». هذه الممارسات تعيد تشكيل العقل الجمعي، وتزرع الريبة المؤسساتية بدلاً من الثقة، وتُحدث شرخاً في العقود الاجتماعية غير المكتوبة التي ظلّت تضبط علاقاتنا قروناً طويلة.
ومن هنا، فإن مواجهة «المجالس» في زمن التطبيقات تتطلب (وعياً) يتجاوز الوعظ الأخلاقي إلى تأسيس (ثقافة سيبرانية) جديدة، تُعاد فيها تعريف الخصوصية كحقٍ مقدس، والأمانة كفعلٍ رقمي، والثقة كبنية تحتية لا يمكن لأي تقدم تقني أن يحل محلها. كما تتطلب جهداً جماعياً يبدأ من التربية الأسرية، مروراً بالتوعية المجتمعية، ووصولاً إلى رفع سقف الوعي الرقمي في عالم التطبيقات التقنية التي تحمي خصوصية الأفراد. والعمل على تعزيز ثقافة الاحترام والثقة والأمانة هو الدرع الواقي من انتشار مثل هذه الممارسات الهدامة للمجتمع الإنساني.. لأن المجلس إن ضاعت حرمته، والمعلومة إن استُبِيحت، فإننا لن نخسر أصدقاء فقط..! بل سنخسر معنى المجتمع ذاته..! فالعلاقات الإنسانية (يبنيها) الصدق والأمانة والوفاء، و(تهدمها) الخيانة والغدر وسرقة الثقة..!.