عبد العزيز الموسى
ليس من اليسير أن تُقرأ إيران من خلال نشرات الأخبار، ولا أن يُختزل تاريخها في مشهد صواريخ تنطلق، أو ميليشيا تتمدد، أو أزمة تتجدد في إحدى عواصم الشرق الأوسط. فالدول، شأنها شأن الحضارات، لا تُفسَّر بلحظةٍ عابرة، وإنما بالمسارات الطويلة التي صاغت هويتها، وأعادت تشكيل علاقتها بنفسها وبجوارها. وما تشهده المنطقة العربية اليوم ليس إلا أحدث فصول قصة بدأت قبل قرون، حين أخذت السياسة تستعير الدين، وأخذ التاريخ يتحول إلى مشروع للمستقبل.
ومن أعجب مفارقات التاريخ الإسلامي أن الأرض التي أنجبت الأئمة: البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، والبيهقي، والغزالي، والرازي، وغيرهم من الأعلام الذين حملوا علوم الإسلام إلى الآفاق، أصبحت في الوعي الإسلامي المعاصر تستحضر كلما ذكرت الصواريخ، والميليشيات، والنفوذ العابر للحدود والتوسع الثوري. وبين الصورتين تمتد تحولات فكرية وثقافية وسياسية عميقة، انتقلت فيها إيران من كونها إحدى الحواضن الكبرى للحضارة الإسلامية، إلى دولة يحمل مشروعها الإقليمي منطقًا مختلفًا في تعريف الدين، والدولة، والحدود، والنفوذ.
وليس من الحكمة أن يُقرأ هذا التحول من نافذة الأحداث اليومية وحدها؛ فالحروب لا تبدأ يوم تنطلق الصواريخ، وإنما تبدأ حين تتشكل الأفكار التي تمنحها مشروعيتها، وحين تُبنى تصورات جديدة عن السلطة، والهوية، ووظيفة الدولة، وحدود الرسالة السياسية. ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تتصادم إيران اليوم مع محيطها العربي؟ بل: كيف انتقلت العلاقة من فضاء الحضارة المشتركة إلى فضاء التنافس على النفوذ؟ وكيف تحول الدين، في التجربة السياسية الإيرانية الحديثة، من رابطة جامعة داخل الأمة إلى أحد مكونات مشروع الدولة ذي المرجعية الدينية؟
هذه الأسئلة لا يجيب عنها سرد البيانات العسكرية، ولا الخطابات السياسية، وإنما تقتضي العودة إلى التاريخ، حيث دخل الفرس في الإسلام فصاروا من أبرز بناة حضارته، ثم إلى التحولات التي شهدتها إيران منذ العصر الصفوي، وصولًا إلى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، حيث أُعيد تعريف العلاقة بين الدين والسلطة، وبين الدولة ورسالتها خارج حدودها. وعند هذا المنعطف تتكامل قراءات ثلاثة من أبرز علماء المعاصرين؛ الدكتور بشار عواد معروف في كتابه: «إيران في ربيع الإسلام»، والدكتور رضوان السيد في دراساته للفكر السياسي الإيراني في كتاب: «العرب والإيرانيون والعلاقات العربية الإيرانية في الزمن الحاضر»، والدكتور روي متحدة في كتابه: «بردة النبي: الدين والسياسة في إيران»؛ لا لتقديم روايات متعارضة، بل لتفسير مراحل التحول من الحضارة إلى المشروع.
فليس المقصود من هذه القراءة إصدار حكم على شعبٍ أسهم إسهامًا جليلًا في بناء الحضارة الإسلامية، ولا اختزال تاريخ أمة في مرحلة سياسية بعينها، وإنما محاولة فهم الكيفية التي انتقل بها الإسلام في إيران من كونه إطارًا جامعًا داخل الأمة، إلى أن أصبح – في التجربة السياسية الحديثة بدءًا من عام 1979م –جزءًا من مشروع للدولة، أعاد رسم علاقة إيران بجوارها العربي، وجعل كثيرًا من أزمات الحاضر امتدادًا لتحولات الماضي أكثر منها وليدة اللحظة.
ولم يكن الإسلام، حين دخل بلاد فارس في النصف الأول من القرن السابع الميلادي، دينًا غريبًا فُرض على شعب مغلوب، بل كان بداية مرحلة جديدة في تاريخ المنطقة كلها. فالدولة الساسانية كانت قد أنهكتها الصراعات الداخلية، وأثقلها التفاوت الاجتماعي، وأضعفتها الحروب الطويلة، فجاء الإسلام حاملًا تصورًا جديدًا للإنسان والمجتمع والدولة. ولم تمضِ عقود قليلة حتى تحول الإيرانيون من رعايا في دولة ناشئة إلى شركاء في بناء حضارة عالمية، وغدت مدنهم مراكز للإشعاع العلمي، وأصبحت العربية لغة العلم والتأليف، حتى غدت الوعاء الذي دوّن فيه علماء فارس معظم تراثهم الإسلامي، وبرز من أبنائهم مفسرون، ومحدثون، وفقهاء، ولغويون، وفلاسفة، وأطباء، كان لهم أثر بالغ في تشكيل العقل والحضارة الإسلامية.
ولهذا يلفت الدكتور بشار عواد معروف النظر، في كتابه: «إيران في ربيع الإسلام»، إلى أن العلاقة الأولى بين الإسلام وإيران لم تُبنَ على الخصومة، بل على الاندماج الحضاري. فلم يعرف المسلمون الإيرانيين الأوائل بوصفهم قومًا ينازعون العرب على قيادة الأمة، وإنما عرفوهم علماء ومحدثين وفقهاء ومؤرخين، حتى أصبح من المتعذر كتابة تاريخ العلوم الإسلامية من غير الوقوف طويلًا عند إسهامهم فيها.
ولعل الإمام البخاري -رحمه الله- خير من يجسد هذا الاندماج الحضاري. فقد خرج من بخارى في أقصى المشرق الإسلامي، وطاف بمكة المكرمة والمدينة المنورة والبصرة وبغداد ودمشق ومصر، يجمع حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، دون أن يشعر أنه ينتقل بين أوطان متنافرة، بل بين حواضر أمة واحدة. ولم ينظر إليه علماء عصره بوصفه فارسيًا يحمل تراث قومه، وإنما إمامًا من أئمة الإسلام تُقاس منزلته بعلمه وبضبطه. وفي هذه السيرة تختزل الحضارة الإسلامية معناها العميق؛ إذ أذابت العصبيات العرقية في رابطة العلم والإيمان، وجعلت الانتماء إلى الأمة أوسع من كل انتماء آخر، وفق طبيعة النظام السياسي الذي كان سائدًا آنذاك.
ومن هنا تبدو قراءة التاريخ بمنظار الصراع العربي - الفارسي، قراءةً قاصرة؛ لأنها تُسقط على القرون الأولى تصوراتٍ وُلدت في عصور متأخرة. فقد كانت الحضارة الإسلامية، في ذروة ازدهارها، فضاءً رحبًا اشترك في بنائه العربي والفارسي والتركي والكردي والأمازيغي وغيرهم، ولم يكن الانتماء القومي هو المحدد لمكانة العالم أو الفقيه، وإنما كان العلم والتقوى والكفاءة. ولهذا لم يشعر البخاري، ولا مسلم، ولا الغزالي، ولا البيهقي، ولا غيرهم، أنهم يمثلون قومية في مواجهة قومية، بل كانوا أبناء حضارة واحدة ورسالة واحدة.
غير أن هذا الاندماج الحضاري الذي صنع أحد أكثر عصور الإسلام ازدهارًا لم يبقَ على حاله. فالتاريخ لا يتحرك في خط مستقيم، بل يعرف لحظاتٍ يعاد فيها تعريف الأفكار الكبرى، وتُستثمر فيها العقائد في خدمة السياسات، وتتحول فيها الدولة من وعاءٍ للأمة إلى مشروعٍ يبحث عن خصوصيته.
وإذا كان الفتح الإسلامي قد أدخل فارس في الفضاء الإسلامي الواسع، فإن قيام الدولة الصفوية في مطلع القرن السادس عشر الميلادي، على يد الشاه إسماعيل الأول، كان إيذانًا بمرحلة جديدة، لم يعد فيها السؤال: كيف تكون إيران جزءًا من الأمة؟ بل: كيف تبني لنفسها هُويةً سياسية متميزة داخلها.
ولذلك لا يُعد قيام الدولة الصفوية مجرد انتقال للحكم من أسرة إلى أخرى، بل تحولًا عميقًا في مفهوم الدولة ووظيفتها. فقد سعى الشاه إسماعيل الصفوي إلى توحيد إيران تحت راية المذهب الإمامي الاثني عشري، وجعل منه الأساس الذي تستند إليه شرعية السلطة ووحدة البلاد. ومنذ ذلك الحين لم يعد المذهب مجرد اجتهاد فقهي أو اختيار عقدي، بل أصبح أحد أعمدة البناء السياسي للدولة، وأداةً لترسيم هويتها في مواجهة محيطها.
ولم يكن هذا التحول شأنًا إيرانيًا داخليًا فحسب، بل انعكس سريعًا على خرائط القوة في العالم الإسلامي. وكانت معركة «جالديران» سنة 1514م بين الدولة العثمانية والدولة الصفوية أكثر من مواجهة عسكرية فاصلة؛ إذ كرست لأول مرة حدودًا سياسية ومذهبية واضحة بين الإمبراطوريتين، وأظهرت أن الخلاف لم يعد يدور حول السلطة وحدها، بل حول تصورين مختلفين للدولة ومرجعيتها. ومنذ تلك اللحظة أخذ التنافس بين المشروعين يترك بصماته على توازنات المشرق الإسلامي، وظلت أصداؤه حاضرة في الذاكرة السياسية حتى العصر الحديث.
وهنا تكتسب قراءة الدكتور رضوان السيد أهميتها؛ إذ يرى أن التحول الصفوي لا يمكن فهمه بوصفه نزاعًا مذهبيًا مجردًا، ولا صراعًا سياسيًا خالصًا، وإنما هو اللحظة التي تداخل فيها المذهبي بالسياسي حتى أصبح كل منهما يمنح الآخر شرعيته. فالمذهب لم يعد إطارًا دينيًا مستقلًا عن الدولة، بل أصبح جزءًا من بنيتها، كما لم تعد الدولة جهازًا لإدارة المجتمع فحسب، بل غدت حاملةً لمشروع مذهبي يمنحها تميزها ويحدد علاقتها بالعالم من حولها.
ومع ذلك، فإن الإنصاف التاريخي يقتضي التمييز بين إيران الحضارة وإيران الدولة. فاختزال التاريخ الإيراني كله في التجربة الصفوية ظلمٌ لتسعة قرون ازدهرت فيها العلوم الإسلامية على أيدي علماء كان انتماؤهم الأول إلى الإسلام لا إلى القومية أو المذهب السياسي. كما أن فهم إيران المعاصرة لا يتحقق بردِّ كل شيء إلى الصفويين، وإنما بالنظر إلى الكيفية التي استُعيد بها ذلك الإرث بعد قرون في سياق مختلف تمامًا؛ فحين قامت الثورة الإيرانية عام 1979م بقيادة علي خميني، لم تبدأ من صفحة بيضاء، وإنما وجدت أمامها تراثًا سياسيًا ومذهبيًا متراكمًا، فأعادت توظيفه بلغة العصر، وأضافت إليه مفهوم الثورة الدائمة، لتنشأ بذلك دولة لا تكتفي بإدارة شؤونها الداخلية، بل ترى لنفسها رسالة تتجاوز حدودها الجغرافية.
حين انتصرت الثورة الإيرانية عام 1979م، استقبلها كثير من العرب والمسلمين بوصفها ثورة على الاستبداد، واستعادةً لدور الدين في الحياة العامة. لكن السنوات الأولى للثورة كشفت أن ما جرى لم يكن مجرد انتقال للسلطة، بل ولادة تصور جديد للدولة، ولموقع إيران في العالم الإسلامي، وكشفت عن نموذج جديد في توظيف الدين داخل الدولة، يختلف في مرجعيته المذهبية، لكنه يشترك مع تجارب سياسية أخرى في تحويل العقيدة إلى إطار للعمل السياسي.
ولم يكن مشهد عودة علي خميني إلى طهران بالطائرة الفرنسية مجرد عودة قائد ثوري ورجل دينٍ شيعي من منفاه الطويل، بل كان إعلانًا عن انتقال الشرعية السياسية من المؤسسة الملكية إلى المرجعية الدينية، لتدخل إيران تجربة غير مسبوقة في التاريخ السياسي المعاصر، تقوم على الجمع بين الدولة الحديثة والقيادة الدينية في إطار نظرية «ولاية الفقيه».
وهنا يضع الدكتور رضوان السيد يده على جوهر التحول؛ فالجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تكتف بإضفاء الشرعية الدينية على الدولة، وإنما أعادت تعريف الدولة نفسها، لتصبح المرجعية العليا التي تستمد منها مؤسسات الدولة شرعيتها، وتنتظم في ظلها السياسة الداخلية والخارجية معًا.
ومن هذه الزاوية تكتسب دراسة الدكتور روي متحدة، «بردة النبي: الدين والسياسة في إيران»، أهميتها؛ فهي تحلل الكيفية التي اندمج فيها المقدس والسياسي حتى أصبح الفصل بينهما شديد التعقيد؛ فالدين لم يعد يؤدي وظيفة الإلهام الأخلاقي وحدها، بل أصبح جزءًا من بنية القرار السياسي، ومن تعريف المصالح العليا للدولة، ومن رسم حدود دورها الإقليمي.
ومن هذا الإطار يمكن فهم مفهوم «تصدير الثورة»، الذي لم يكن مجرد شعار، بل تعبيرًا عن رؤية تعتبر أن الثورة تحمل رسالة تتجاوز حدود إيران الوطنية.
ولم يبقَ هذا التصور حبيس الأدبيات الدستورية أو الخطاب الثوري، بل أخذ يتجسد تدريجيًا في السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية الإيرانية. وفي المقابل، اصطدم هذا التصور بمفهوم الدولة الوطنية في العالم العربي، التي تنظر إلى أي نفوذ عابر للحدود، أو إلى أي تنظيم مسلح خارج مؤسسات الدولة، بوصفه مساسًا مباشرًا بالسيادة والاستقرار. ومن هنا بدأ الخلاف يتجاوز الاختلافات المذهبية التقليدية إلى تباين أعمق في تصور الدولة ووظيفتها، وبدأت العلاقات العربية الإيرانية تدخل مرحلة جديدة من التنافس على تعريف النظام الإقليمي وحدود النفوذ فيه.
وهكذا، إذا كانت الثورة الإيرانية قد أرست الإطار الفكري للدولة الجديدة، فإن العقود التالية كانت ميدانًا لترجمة هذا الإطار إلى سياسة عملية؛ فالحرب العراقية الإيرانية (1980م- 1988م) تركت في العقل الإستراتيجي الإيراني قناعة راسخة بأن بناء «عمق إستراتيجي» خارج الجغرافيا الإيرانية أصبح جزءًا من معادلة الأمن القومي. ومع سقوط بغداد عام 2003م، سارعت إيران لاستثمار الفراغ الاستراتيجي، لتمتد شبكة نفوذها إلى لبنان عبر «حزب الله»، وإلى سوريا، وإلى اليمن عبر «جماعة الحوثي»، لتتحول هذه الساحات إلى حلقات في رؤية استراتيجية واحدة ترى أن النفوذ الإقليمي ليس مجرد مكسب سياسي، بل عنصر من عناصر أمن الدولة وشرعيتها.
وفي المقابل، تشكلت في دول الخليج قراءة مغايرة؛ فالمشكلة ليست في الاختلافات المذهبية، بل في تحول تنظيمات مسلحة إلى فاعلين يتجاوزون سلطة الدولة، مما جعل أمن الخليج مرتبطًا بحماية الدولة الوطنية وصيانة سيادتها. ولذلك فإن التوتر اليوم ليس خلافًا طارئًا، بل نتيجة مسار طويل تداخلت فيه اعتبارات التاريخ والمذهب والثورة، حيث يعيش الشرق الأوسط تنافسًا بين رؤيتين: رؤية تجعل الدولة الوطنية وسيادتها أساس الاستقرار، ورؤية تمنح المشروع الإقليمي دورًا يتجاوز الحدود التقليدية.
كما كشفت محطات تاريخية متعددة أن علاقات إيران ببعض القوى الدولية والإقليمية اتسمت بدرجة من التعقيد، حيث تداخلت شعارات المواجهة مع اعتبارات المصلحة وتوازنات القوة، بما يجعل فهم السياسة الإيرانية أوسع من ثنائية العداء والتحالف، وأقرب إلى منطق الدولة التي تدير مصالحها وفق حسابات إستراتيجية متغيرة.
وهكذا، فإن قراءة إيران من خلال لحظة سياسية عابرة، أو واقعة عسكرية مأزومة، لا تكفي لفهم الدولة التي تشكلت هويتها عبر قرون من التحولات المركبة؛ فإيران التي استقبلت الإسلام فغدت إحدى أعظم حواضنه العلمية، تباينت جذريًا عن إيران التي تشكلت هويتها في ظل الدولة الصفوية، وعن تلك التي أعادت الثورة الإيرانية تشكيل هويتها السياسية. وبين هذه المراحل يمتد تاريخ طويل، لا يجوز اختزاله في موقف سياسي لحظي، ولا قراءته بعين الانفعال؛ إذ تكمن القيمة العلمية في أعمال الدكتور بشار عواد معروف، والدكتور رضوان السيد، والدكتور روي متحدة، في كونها تدفعنا لتجاوز الأحكام العاجلة، والعودة إلى التاريخ لفهم السياسة، وإلى الفكر لتفكيك السلوك. فالمشكلة ليست في الإسلام الذي جمع العرب والفرس، ولا في الشعب الإيراني شريك الحضارة، بل في التحول النوعي الذي طرأ على مفهوم الدولة، حين صار الدين –في التجربة الحديثة– أداةً لشرعنة المشروع السياسي، ووسيلةً لإعادة رسم موازين القوى.
وعليه، فإن ما شهدته المنطقة من تهديدات أمنية لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه أحداثًا منفصلة، بل حلقةً في مسار فكري تشكّل عبر عقود؛ فما إن تتحول السياسة إلى رسالة عابرة للحدود، وتغدو الجغرافيا مجالًا لتصدير الأفكار، حتى تصبح الأزمات عصيةً على الحلول العسكرية وحدها، لأنها متجذرة في عالم التصورات والأيديولوجيا. ولا يعني ذلك أن المنطقة محكومة بقطيعة أبدية؛ فالتاريخ الذي شهد قرونًا من الاندماج الحضاري، قادرٌ على فتح آفاق جديدة للاستقرار، شريطة احترام سيادة الدول، وإعادة الاعتبار للمشروع الوطني، والكف عن توظيف الدين في الصراعات الجيوسياسية والاقتصادية. لقد أثبت التاريخ أن الحضارات تُبنى حين يكون الدين جامعًا للأمم، لا وسيلةً للتنافس بينها، وتدخل طور الاضطراب حين يتحول إلى أداة في صراع الدول. ولعل هذا هو الدرس الأعمق الذي يقدمه التاريخ؛ فليست المشكلة حين يلتقي الدين بالدولة، وإنما حين يتحول الدين إلى أداة في مشروع الدولة. وبين هذين المسارين افترقت إيران الحضارة عن إيران الدولة، وهو الفارق الذي لا يزال يلقي بظلاله على حاضر المنطقة ومستقبلها.
إلى اللقاء،