أحمد آدم
لم يكن بقاء الكيان الصهيوني يوماً رهيناً بقوته الذاتية فحسب، بل بمدى قدرته على تفكيك عناصر القوة في محيطه.
منذ خمسينيات القرن الماضي، وضع «ديفيد بن غوريون» حجر الأساس لعقيدة أمنية باردة تقوم على معادلة صفرية واحدة: «لا أمن لإسرائيل إلا بتفتيت جيرانها». وطوال عقود، ظل المثلث العربي التاريخي (القاهرة - دمشق - بغداد) هو كابوس الردع الذي يسعى الاحتلال لكسر أضلاعه بشتى الوسائل. وبينما تهاوت حصون بغداد ودمشق بفعل خطايا الأنظمة تارة والتدخلات الدولية تارة أخرى، ظلت القاهرة صامدة بشبكة دفاعها وجبهتها المتماسكة، قبل هزيمتها في حرب عام 1967م ثم اعترافها بعد حرب 1973م بإسرائيل.
وفي هذا التحليل الرصين، نغوص في جوهر عقيدة التفتيت الإسرائيلية، مبرزين مخرجات الإنقاذ لعواصم الطوق، ومفككين لواحد من أخطر مخططات الخديعة المعاصرة: حرب حروب الجيل الخامس النفسية التي تعيد إنتاج النصوص الدينية والنبوءات التاريخية لتخدير وعي الشعوب ودفعها للاستسلام لصناعة الهزيمة.
أولا: عقيدة بن جوريون
الجوهر الاستراتيجي لعقيدة الأمن القومي الإسرائيلي التي وضع لبناتها الأولى ديفيد بن غوريون (أول رئيس وزراء لإسرائيل). رغم أن الصيغة الحرفية المتداولة في بعض وسائل التواصل الاجتماعي («إن عظمتنا تكمن في انهيار ثلاث دول») لم ترد بنصها الموثق في أرشيف رسمي، إلا أن الأبحاث التاريخية والخطابات الموثقة تُثبت أن إضعاف وتفتيت هذه الجيوش والدول (مصر وسوريا والعراق) كان ركيزة أساسية في فكره. تنتشر في الأدبيات السياسية العربية مقولة منسوبة لبن غوريون نصها: «إن قوتنا ليست في سلاحنا النووي، بل قوتنا تكمن في تفتيت وتدمير ثلاث دول كبرى حولنا: مصر، وسوريا، والعراق، وتحويلها إلى دويلات متناحرة على أسس دينية وطائفية». تاريخياً، ارتبطت هذه الرؤية بمشروعين إستراتيجيين تبنتهما القيادة الإسرائيلية:
أ - عقيدة الأطراف:
أسسها بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي. تقوم على فكرة أن الدول العربية المحيطة بإسرائيل (مصر، وسوريا، والعراق) تشكل «الطوق المباشر والمهدد لوجودها». ولإضعاف هذا الطوق، وجّه بن غوريون ببناء تحالفات مع الدول غير العربية في المنطقة (مثل إيران وتركيا وإثيوبيا في ذلك الوقت)، والتحالف مع الأقليات العرقية والدينية داخل الدول العربية الكبرى لزعزعة استقرارها من الداخل.
ب - خطة عوديد ينون (1982):
على الرغم من أن هذه الوثيقة نُشرت بعد وفاة بن غوريون (في مجلة «كيفونيم» الصهيونية)، إلا أنها اعتُبرت امتداداً فكرياً مباشراً لإستراتيجيته. ركزت الخطة بشكل تفصيلي على ضرورة تفكيك العراق وسوريا ومصر وتقسيم جيوشها وتحويلها إلى دويلات طائفية وعرقية متناحرة لضمان التفوق الإسرائيلي.
خطابات بن غوريون الموثقة
في الكنيست
في خطاباته الرسمية أمام الكنيست الإسرائيلي، كان بن غوريون يعبر علناً عن قلقه الشديد من القوة العسكرية لهذه الدول الثلاث، لا سيما عندما بدأت محاولات الوحدة أو التنسيق العسكري بينها:
- موقفه من الجيش المصري: في خطاب شهير عام 1956، عبّر بن غوريون عن قلقه البالغ من تسليح الجيش المصري (عقب صفقة الأسلحة التشيكية) معتبراً أن التفوق العددي والعسكري لمصر يشكل تهديداً وجودياً يجب التعامل معه، وهو ما قاد لاحقاً إلى مشاركة إسرائيل في العدوان الثلاثي.
- موقفه من الاتحاد الثلاثي (1963): عندما وُقّعت اتفاقية الوحدة الفيدرالية بين مصر وسوريا والعراق في القاهرة عام 1963، ألقى بن غوريون خطاباً حاداً أمام الكنيست حذر فيه من خطورة «تجميع الجيوش العربية الثلاثة» تحت قيادة واحدة، واعتبر أن هذا الاتحاد يهدف مباشرة للقضاء على إسرائيل، ودعا العالم للتدخل لإحباطه.
الفكرة المنسوبة لبن غوريون صحيحة وموثقة كعقيدة سياسية وعسكرية. فقد رأت إسرائيل منذ نشأتها أن بقاءها مرهون بمنع أي تجمع أو تنامٍ للقوة العسكرية في المثلث العربي (القاهرة - دمشق - بغداد)، والسعي الدائم لإبقاء هذه الجيوش ضغيفة أو مشغولة بصراعات داخلية.
ثانيًا: مراحل تفكك العراق
الأخطاء الإستراتيجية المتعاقبة للنظام العراقي السابق والتدخلات الدولية أدت حرفياً إلى تحييد القوة العسكرية العراقية وتفكيك الدولة.
المفارقة التاريخية أن العراق دمر نفسه بنفسه أولاً عبر سلسلة من القرارات الكارثية، ثم جاء التدخل الأمريكي المباشر ليوجه الضربة القاضية للقوة العراقية. ويمكن تقسيم المسار الذي أدى إلى انهيار القوة العسكرية للعراق إلى أربع محطات رئيسية:
1 - حرب الثماني سنوات مع إيران (1980-1988)
- استنزاف بشري واقتصادي:
خرج العراق من هذه الحرب الطويلة منهكاً واقتصادياً بمديونية هائلة قُدرت بنحو 37 مليار دولار لدول الخليج وحده.
- فخ القوة الوهمية:
رغم أن الجيش العراقي خرج بتعداد ضخم وخبرة قتالية عالية (صُنف حينها كرابع أكبر جيش في العالم)، إلا أن هذه القوة كانت «قوة عمياء» تفتقر للغطاء الاقتصادي المستدام، مما جعله قنبلة موقوتة قابلة للانفجار داخلياً أو خارجياً.
2 - غزو الكويت (1990) - الخطيئة الإستراتيجية الكبرى
- العزلة الدولية والشرخ العربي:
اعتبر المؤرخون غزو صدام حسين للكويت خطأً إستراتيجياً قاتلاً؛ لأنه نقل العراق من خندق «حامي البوابة الشرقية للعرب» إلى مجرد دولة غازية لجارتها.
- تدمير الآلة العسكرية (حرب الخليج الثانية 1991):
شكّلت أمريكا تحالفاً دولياً واسعاً دمر البنية التحتية العسكرية للعراق، وأجبر جيشه على انسحاب كارثي ومذل من الكويت، مما أدى لخسارة العراق للجزء الأكبر من سلاحه الثقيل وطيرانه الحربي.
- الحصار الاقتصادي المقيت:
فُرضت على العراق عقوبات اقتصادية خانقة استمرت 13 عاماً، تسببت في منع صيانة الأسلحة، وانهيار التصنيع العسكري، وتجويع الشعب، مما جعل الجيش العراقي مجرد هيكل ضعيف ومتهالك خلف واجهة دعائية.
3 - الغزو الأمريكي (2003) والذريعة الزائفة
- كذبة أسلحة الدمار الشامل:
هاجمت الولايات المتحدة وبريطانيا العراق دون غطاء من مجلس الأمن، بحجة امتلاكه أسلحة بيولوجية ونووية، وهي الذريعة التي ثبت زيفها تماماً لاحقاً بشهادة المفتشين الدوليين والمسؤولين الأمريكيين أنفسهم.
- قرار «بريمر» الكارثي (حل الجيش):
أصدر الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر قراراً بحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية بالكامل، وهو ما يراه الخبراء العسكريون أكبر خدمة قُدمت لأعداء العراق؛ حيث تحول مئات الآلاف من الضباط والجنود المسرحين إلى قوى غاضبة، وترك البلاد بلا خط دفاع شرعي، مما فتح الباب للاقتتال الطائفي وظهور التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» لاحقاً.
4 - النتيجة الحتمية: الفراغ الإستراتيجي وضياع التوازن
- تفتت النسيج المجتمعي:
تحول العراق من دولة مركزية قوية إلى بلد ممزق سياسياً وطائفياً وعرقياً (محاصصة طائفية، وإقليم كردستان شبه المستقل).
- اختلال ميزان القوى الإقليمي:
بغياب القوة العسكرية العراقية، انكسر جدار الصد العربي التاريخي، مما أتاح لإيران التمدد وبسط نفوذها السياسي والعسكري داخل العراق عبر فصائل مسلحة متعددة، وهو وضع مستمر ومتصاعد.
بذلك، تحققت نبوءة أو غاية الفكر الصهيوني المبكر في تفتيت القوة العراقية، ليس فقط بضربات مباشرة من إسرائيل، بل بسلسلة من الحسابات السياسية القاتلة للقيادة العراقية السابقة، والتي استغلتها القوى الدولية (وعلى رأسها أمريكا) لتفكيك هذا الجيش العراقي بالكامل.
مخرج العراق من عثرته: استعادة السيادة وبناء الدولة
إن خروج العراق من عثرته واستعادة دوره التاريخي كركيزة للأمن القومي العربي لا يمر عبر البوابة العسكرية التقليدية، بل يتطلب جراحة سياسية واقتصادية عاجلة ترتكز على ثلاثة محاور:
إنهاء نظام المحاصصة الطائفية والسياسية لصالح دولة المواطنة والمؤسسات.
حصر السلاح والقرار الاستراتيجي بيد الدولة وحدها، وتحييد النفوذ الإقليمي (التركي والإيراني) لضمان السيادة الكاملة.
لتحرر من «مخدر» الاقتصاد الريعي عبر تنويع مصادر الدخل وتوجيه الفائض النفطي لبناء قاعدة صناعية وزراعية حقيقية، فاستقلال القرار السياسي يبدأ دائماً من استقلال الرغيف والدينار.
ثالثًا : انهيار سوريا
تأسست ركائز الحكم العسكري في سوريا تحت حكم عائلة الأسد بالحديد والنار والقبضة الأمنية الشاملة. وعند اندلاع الثورة السورية عام 2011، تمسكت المنظومة بالسلطة عبر استخدام مفرط للقوة العسكرية، مستعينة بقوى إقليمية ودولية (روسيا وإيران وميليشياتها)، مما أسفر عن تدمير كامل للبنية التحتية، وتهجير ملايين السوريين، وتفتيت الجغرافيا السورية إلى مناطق نفوذ متعددة، الأمر الذي حيد الجيش السوري كلياً عن معادلة الصراع الإقليمي مع إسرائيل. تطورت الأحداث بشكل دراماتيكي متسارع لترسم واقعاً سياسياً جديداً يتلخص في المحاور التالية:
1 - السقوط المدوي لنظام الأسد (ديسمبر 2024)
في هجوم عسكري خاطف ومباغت شنته فصائل المعارضة السورية بقيادة «هيئة تحرير الشام»، انهار نظام بشار الأسد بالكامل ودخلت القوات دمشق في 8 ديسمبر 2024، لتطوى بذلك صفحة حكم عائلة الأسد الشمولي الذي استمر لـ54 عاماً. هذا الانهيار السريع كشف عن هشاشة داخلية بالغة وتآكل تام في قدرات الجيش السوري ومؤسساته الأمنية التي استنزفتها سنوات الحرب الداخلية والفساد.
2 - صعود «أحمد الشرع» (الجولاني) والتحول السياسي
بعد سقوط النظام، تصدّر المشهد أبو محمد الجولاني، الذي أسقط اسمه الحركي وبدأ باستخدام اسمه الحقيقي أحمد الشرع. وانتقل بصورة ملحوظة من خطابه الإسلامي المتشدد القديم نحو طرح سياسي معتدل ومؤسساتي:
- رئاسة المرحلة الانتقالية:
تم تعيين أحمد الشرع رئيساً لسوريا لإدارة مرحلة انتقالية.
- بناء الدولة والمؤسسات:
اتخذت الحكومة الانتقالية خطوات لدمج التشكيلات المسلحة (بما فيها قوات سوريا الديمقراطية) في الجيش السوري تحت مظلة وزارة الدفاع.
- الانفتاح الدولي:
قاد الشرع تحركات دبلوماسية واسعة شملت زيارات للعواصم العربية والأجنبية والاجتماع بالإدارة الأمريكية، مما أثمر عن قيام الولايات المتحدة ودول غربية برفع القيود بتفاهمات سعودية أمريكية بين الرئيس ترمب والأمير محمد بن سلمان وإلغاء تصنيف سوريا كدولة راعية للإرهاب. وانعقد البرلمان السوري الجديد للانتقال بالبلاد نحو التركيز على الاقتصاد والخدمات العامة.
3 - الاستغلال الإسرائيلي المباشر لضعف سوريا
أصبحت «سوريا أضعف مما يمكن» تجسد ذلك واقعياً في السلوك الإسرائيلي الفوري عقب سقوط الأسد:
- تدمير ما تبقى من السلاح السوري:
شنت إسرائيل بعد ديسمبر 2024 أوسع حملة غارات جوية تاريخية داخل العمق السوري، استهدفت تدمير البنية التحتية العسكرية الحيوية، ومستودعات الذخيرة، ومنظومات الدفاع الجوي، لضمان ألا تقع هذه الترسانة في يد السلطة الجديدة.
- التوغل البري واحتلال أراضٍ جديدة:
تجاوز الجيش الإسرائيلي خطوط فض الاشتباك لعام 1974 في مرتفعات الجولان، وتوغل برياً ليعيد احتلال مناطق سورية جديدة (مثل القنيطرة وجبل الشيخ وبلدات محيطة)، ضارباً بالقوانين الدولية عرض الحائط لفرض أمر واقع عسكري مستغلاً انشغال الدولة السورية الجديدة بترتيب بيتها الداخلي المتهالك.
سوريا تدفع ثمن عقود من الاستبداد والتدمير المنهجي الذي مارسه النظام السابق ضد شعبه ومدنه. ورغم أن البلاد تخوض محاولات جادة وشاقة لإعادة بناء مؤسساتها وتضميد جراحها تحت قيادة أحمد الشرع وحكومته الانتقالية، إلا أن حالة الضعف العسكري الشديد جعلتها على المدى القصير ساحة مستباحة للاعتداءات والتوغلات الإسرائيلية، محققة الغاية الإستراتيجية الإسرائيلية التاريخية بإخراج دمشق تماماً من معادلة التهديد العسكري المباشر.
مخرج سوريا من عثرتها: من الركام إلى الدولة المؤسساتية
إن عبور سوريا لعهد الاستبداد وتأسيس دولة حقيقية قادرة على حماية حدودها واستعادة أراضيها المحتلة، يرتكز بالضرورة على مسارات حاسمة:
الإسراع في صياغة دستور وطني جامع يضمن التعددية، وحقوق المواطنة، والانتقال السلمي للسلطة لإنهاء إرث حكم الفرد.
تفعيل خطة دمج الفصائل العسكرية كافة في جيش وطني احترافي موحد، عقيدته حماية الوطن وحدوده وليس حماية النظام أو الأيديولوجيا.
تبني سياسة خارجية متوازنة تنأى بسوريا عن المحاور المتصارعة، وتستثمر في الانفتاح الدولي الجديد لإعادة الإعمار وجذب الاستثمارات، لإدراك أن قوة الردع تبدأ بإنعاش الاقتصاد وتضميد جراح المجتمع.
رابعًا: الصمود المصري
صمود النسيج الاجتماعي المصري (المسلم والمسيحي) شكّل دائماً حائط الصد المنيع الذي أفشل إستراتيجيات التفتيت الطائفي التي نجحت في دول أخرى، وهو ما جعل القوى الخارجية تبحث عن مسارات بديلة للتعامل مع «كتلة مصر الصلبة».
1 - التحول الاستراتيجي المصري
ويمكن تفكيك المسار بشأن التحول الإستراتيجي المصري وأثره على ميزان القوى الجوي إلى النقاط المحددة التالية:
أ - صدمة حرب أكتوبر 1973 والتحول الجيوسياسي
بعد حرب أكتوبر، أدرك الرئيس أنور السادات أن الاستمرار في الاعتماد الكلي على الاتحاد السوفيتي لن يعيد بقية الأراضي المحتلة سلماً، لاعتقاده أن «99% من أوراق اللعبة في يد أمريكا». هذا الاستنتاج قاده إلى خطوتين مفصليتين:
توقيع معاهدة السلام: التي أخرجت مصر رسمياً من جبهة المواجهة العسكرية المباشرة مع إسرائيل.
الارتماء في الحضن الأمريكي: عبر نقل بندقية الجيش المصري من المعسكر الشرقي إلى المعسكر الغربي، لتصبح مصر ثاني أكبر متلقٍ للمساعدات العسكرية الأمريكية (بواقع 1.3 مليار دولار سنوياً) مقابل اعترافها بإسرائيل.
ب - معضلة التسليح الأمريكي ومفهوم «التفوق الكاسح» لإسرائيل
دخلت مصر في منظومة السلاح الأمريكي، وبخاصة في سلاح الجو عبر مقاتلات (F-16)، لكن هذا التحول جاء محكوماً بشرط قانوني أمريكي صارم يُعرف بـ QME (تأمين التفوق العسكري النوعي لإسرائيل):
- حظر الأسلحة الهجومية المتطورة:
التزمت واشنطن بموجب هذا التعهد بمنع مصر من الحصول على أسلحة تغير ميزان القوى الجوي مع إسرائيل. فعلى سبيل المثال، حُرمت مصر لعقود من الحصول على صواريخ الجو-جو بعيدة المدى خلف مدى الرؤية (مثل صواريخ الميتيور أو النسخ المتطورة من الآمرام)، وظلت طائرات الـ F-16 المصرية تسير بنسخ تسليحية أقل كفاءة من نظيرتها الإسرائيلية.
- التفوق التكنولوجي الإسرائيلي:
في المقابل، حصلت إسرائيل على أحدث ما أنتجته الترسانة الأمريكية، وصارت الدولة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تمتلك مقاتلات الجيل الخامس الشبحية (F-35)، بالإضافة إلى حرية تعديل البرمجيات وأنظمة الحرب الإلكترونية الأمريكية محلياً، وهو ما منح القوة الجوية الإسرائيلية يداً طولى وقدرة على اختراق وتهديد الأجواء في المنطقة بأكملها.
جـ - محاولات التمرد المصري على التبعية العسكرية (تنويع مصادر السلاح)
أدركت القيادة العسكرية المصرية في العقود الأخيرة خطورة الاعتماد على «قائم أوحد» للتسليح، خاصة بعد قيام أمريكا بوقف أو تأخير إمدادات قطع الغيار والمساعدات العسكرية في بعض الفترات السياسية الحرجة بعد عام 2013. بناءً على ذلك، اتخذت مصر إستراتيجية إكساب الجيش مرونة تسليحية عبر:
- الصفقات الأوروبية والروسية:
شراء مقاتلات «الرافال» الفرنسية المتطورة، ومقاتلات «ميغ-29 إم» الروسية، وحاملات المروحيات «الميسترال»، وأنظمة الدفاع الجوي المتطورة (مثل إس-300 وفيكتور).
- كسر الاحتكار:
هذه الخطوات منحت سلاح الجو المصري قدرات صواريخ بعيدة المدى وهجومية لم تكن أمريكا لتسمح بها، وحررت القرار العسكري الجزئي من الهيمنة الأمريكية المطلقة.
الخلاصة: حماية النسيج الاجتماعي أنقذت مصر من التفكك الداخلي، لكن التبعية لخطوط الإمداد الأمريكية منذ عهد السادات مكّنت واشنطن من ضبط إيقاع القوة العسكرية المصرية لضمان «التفوق الجوي النوعي لإسرائيل». ورغم المحاولات المصرية لتنويع مصادر السلاح لكسر هذا الحصار التكنولوجي، إلا أن الفجوة الجوية التي صُنعت على مدار عقود ما زالت تمنح إسرائيل ميزة الردع والتهديد الجوي الكاسح في المنطقة.
معاهدة كامب ديفيد (مصلحة أمريكية - إسرائيلية مشتركة)
- تأمين الحدود الإسرائيلية:
تمثل معاهدة السلام عام 1979 الركيزة الأساسية للأمن القومي الإسرائيلي. خروج مصر من الصراع المسلح تاريخياً سمح لإسرائيل بتركيز جهودها العسكرية على جبهات أخرى، وقد جاء بموجبها اعتراف مصر بإسرائيل، لتكون مصر بذلك أول دولة عربية تعترف بالكيان الإسرائيلي ومنها فتحت الطريق لدول عربية أخرى لتعترف بإسرائيل، ما ساعد على تنامي القوة الإسرائيلية مقابل ضعف الموقف العربي.
لقد نجحت إسرائيل خلال عقود في تفكيك أجزاء واسعة من البيئة العربية المحيطة بها، لكن الجغرافيا لا تعرف الفراغ. فكل فراغ استراتيجي يولد توازنًا جديدًا، وكل محاولة لفرض هيمنة مطلقة تنتج في النهاية تحالفات مضادة. لذلك فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل نجحت عقيدة بن غوريون؟ بل: إلى متى تستطيع الصمود أمام خرائط القوة الجديدة التي بدأت تتشكل في الشرق الأوسط؟