شعبان مصطفى قزامل
تسكن الحكايات الكبرى في عقول تأبى الانصياع للظلال الراهنة، وتتطلع صوب بريق غدٍ بعيد. هؤلاء هم المستقبليون الذين ينسجون من خيوط المستحيل واقعًا معاشًا، فترى أفكارهم تشق عباب المألوف لتصنع مسارات بكرًا لم تطأها أقدام من قبل. في طليعة هذه العقول التاريخية، يتجلى اسم العالم الصربي الأمريكي نيكولا تيسلا Nikola Tesla (10 يوليو 1856 - 7 يناير 1943)، ذلك الفيزيائي والمهندس الذي أعاد تشكيل وجه الأرض عبر رؤاه الكهربائية والميكانيكية الاستثنائية التي سبقت زمنها بعقود طويلة.
عرفت البشرية مع تيسلا ثورة حقيقية نقلت الحضارة من عتمة الليل إلى ضياء لا متناهٍ. وضع الأسس العميقة لنظام التيار المتردد الرئيسي، وهو الشريان الذي تتدفق عبره الطاقة في أرجاء العالم اليوم، واخترع المحركات الكهربائية المتطورة التي حركت عجلة الصناعة العالمية، وأسهم بفاعلية في تطوير الاتصالات اللاسلكية. طموحه الفريد تطلع إلى أبعد من السائد؛ فصاغ نظريات مبكرة حول نقل الطاقة عبر الهواء دون الحاجة إلى أسلاك ممتدة، وتنبأ بظهور وسائل اتصال شخصية بالغة الصغر، وهو ما تجسد بعد رحيله بعقود في الهواتف الذكية التي باتت جزءاً من تفاصيلنا اليومية.
تيسلا امتلك فضولًا متقدًا، وعاش حياته يطارد شرارات الإبداع، مؤمنًا بأن دور العلم يتجاوز تلبية الحاجات الآنية ليرسم ملامح الرفاهية القادمة، ويحرر الإنسان من قيود العجز والنمطية، وظل اسمه علامة فارقة في الذاكرة الإنسانية بوصفه العقل الذي رأى الغد قبل أن يولد.
على الدرب ذاته من الجرأة الفكرية، يبرز في وقتنا الراهن اسم المفكر والمخترع السعودي الدكتور المهندس فهد بن إبراهيم العمار. رجل يحمل مؤهلات علمية رفيعة في الهندسة من الولايات المتحدة الأمريكية، ويمتلك مخيلة خصبة تتخطى الأطر النمطية السائدة. تجلت بذور عبقريته منذ عام 1985م إبان دراسته في كلية العمارة بجامعة الملك سعود بالرياض، لتثمر عبر العقود مشروعات هندسية وتقنية وبيولوجية مذهلة تبرهن على أن العبقرية لا تحدها حدود جغرافية، وأن البيئة العربية ولّادة بالعقول التي تملك الشجاعة لطرق أبواب المستقبل.
يقدم العمار منظومة من الابتكارات التي تدهش العقول؛ منها تصميمه الفريد لصحن الطواف بهدف استيعاب الأعداد المليونية وتيسير حركة الحجاج والمعتمرين في الحرم المكي الشريف، حلاً لإشكالية التعارض بين الطائفين والمصلين. ولم تقف رؤيته عند هذا الحد، بل صاغ مشروعًا متكاملًا لتلطيف جو العاصمة الرياض وخفض درجات حرارتها صيفًا بشكل كامل على اتساعها دون استهلاك للطاقة الكهربائية، مما يعظم وسائل الراحة ويوفر مليارات الدولارات سنوياً عند تطبيقه وتعميمه في المدن والمناطق المختلفة.
وفي إطار الحلول المبتكرة خارج الصندوق، تأتي فكرته الهندسية لـ»كاسرات الصوت»، وهي تقنية متميزة موجهة لضبط مستويات مكبرات المساجد؛ إذ تعمل هندسيًا على السماح للأصوات العالية بالوصول بوضوح وثبات إلى المنازل والمناطق البعيدة، بينما تقل حدتها وشدتها رويدًا رويدًا بطريقة ديناميكية كلما اقتربت الأبنية والبيوت المجاورة من دور العبادة، لتقدم حلاً جذرياً لمشكلة يعاني منها بعض المجاورين للمساجد مع الحفاظ على الغاية الدينية السامية.
لم تنحصر عبقريته في الشأن المحلي، بل امتدت لتضع بصمة معمارية عالمية باذخة الأناقة والجمال أثناء زيارته لتايلند؛ حيث صمم مقترح مطار لمدينة «شيانج ماي» الشهيرة مستوحيًا خطوطه الانسيابية الساحرة وهيكله الإنشائي البديع من ثقافة المعابد الأثرية والمباني التاريخية التايلندية، مازجاً بين أصالة الإرث الحضاري المتوارث ومتطلبات الحداثة الهندسية للمطارات العالمية.
يتعاظم طموح الدكتور العمار وتتجلى أفكاره الأكثر غرابة في مشروعه المائي العملاق لربط الأودية القديمة المغمورة في أعماق صحاري المملكة بأودية جديدة يتم حفرها لتشكل نهرًا صناعيًا يبدأ من مدينة جدة ويتفرع باتجاهين تنتهي في الكويت وعند الحدود مع قطر باستخدام التضاريس الطبيعية من الأودية القديمة وتوسعة البعض منها وحفر أجزاء إضافية، ترفده وتغذيه بالماء العذب الزلال، محييًا موات الأودية القاحلة ولتشكيل «نهر السعودية» العظيم.
وفي لفتة إنسانية وتنظيمية بالغة الذكاء، صاغ العمار فكرة تقنية مبتكرة شبيهة بنظام تحديد المواقع العالمي (GPS) مخصصة للمقابر؛ تهدف إلى تيسير الوصول الدقيق إلى أماكن القبور بدلاً من العشوائية والبحث المضني وسط الممرات المتشابهة. تتيح هذه المنظومة الرقمية للزائرين العثور على القبر المستهدف بيسر وسهولة، مع توفير تطبيق معلوماتي يعرض بيانات كاملة عن صاحب القبر وتاريخ وفاته، ويستدعي تلقائياً الأدعية المأثورة المخصصة للميت لتكون عونًا للزائر في لحظات التدبر والدعاء مستفيدًا من الزخم الضخم من البنية الإلكترونية والأتمتة المتطورة التي صاغها سمو ولي العهد برؤيته 2030 التي تسبق عصرها.
وفي وثيقة تاريخية جرى توثيقها رسميًا عام 2025م، أعلن العمار عن اختراعه الثوري: «السلم الموسيقي المتناغم مع القلب» (The Cardiac Resonance Musical Scale - CRMS). يمثل هذا الابتكار انتفاضة فنية ومقامية تقلب موازين النظريات الموسيقية العالمية المنحدرة من القرن السابع عشر؛ إذ يدعو إلى استبدال نظام التوليف المتساوي (12-TET) المستند إلى تقسيم الأوكتاف إلى اثنتي عشرة درجة متساوية لوغاريتمياً وفق معادلة النسبة الرياضية الجامدة (2^{\frac{1}{12}}) والتردد المرجعي الثابت (لا = 440 هرتز) المقر دوليًا عام 1955م لأسباب عملية بحتة تخدم الآلات الثابتة الأوتار كالبيانو.
يرتكز اختراع العمار على بديل بيولوجي يشتق الترددات الأساسية مباشرة من نبضات قلب الإنسان الحي، منطلقًا من رؤية فلسفية عميقة ترى الإنسان مصدرًا أصيلًا للإيقاع الموسيقي الفريد منذ لحظة الولادة، وليس مجرد ممر أو مستقبل سلبياً للنغمات، وهو ما يفتح آفاقًا علاجية وتطبيقية تحويلية في مجالات الطب، والصحة النفسية، والرياضة، والتعليم، وتقنيات الذكاء الاصطناعي الموسيقي.
المقارنة بين نيكولا تيسلا والدكتور فهد العمار تكشف عن تماثل بديع في جوهر التكوين العقلي والروحي ومنهجية العطاء العلمي. يلتقي الرجلان في نقطة محورية هي «منهجية التفكير الاستشرافي»؛ فالمستقبل لديهما ليس زمنًا ينتظران قدومه، وإنما فضاء يصنعانه بالرؤى الجريئة والأفكار الاستثنائية التي تتجاوز السائد. كلاهما يرفض الانصياع للقوالب الجاهزة والحلول الترقيعية، ويفضلان الهدم المعرفي للثوابت القديمة والبناء على أسس علمية جديدة؛ تمامًا كما سعى تيسلا لتبديل أنظمة التيار المستمر بأنظمة التيار المتردد، وكما يحاول العمار استبدال الأساس الرياضي الجاف للموسيقى العالمية بأساس بيولوجي إنساني نابض بالحياة، أو استبدال أنظمة التكييف المستهلكة للطاقة بوسائل فيزيائية طبيعية لتبريد المدن.
ينطلق هذا التشابه من «الشغف والفضول المعرفي» الذي لا ينطفئ، فالرجلان يجمعهما الزهد الكامل في بريق الشهرة المؤقتة والأضواء الإعلامية، والانغماس المخلص في البحث العلمي الرصين والتجريب المستمر ابتغاء خدمة البشرية، وتوفير الرفاهية والسعادة للإنسان، ودفع عجلة النماء الوطني إلى مراتب عليا غير مسبوقة.
إن تشبيه الدكتور فهد العمار بنيكولا تيسلا تحملك على التمعن في قيمة العقول الحرّة والقدرات الهندسية الفذة التي تسكن عواصمنا. إنها إشارة واضحة إلى تلك الروح المتفردة القادرة على الطيران بأجنحة العلم والخيال معًا، لتثبت لعالمنا المعاصر أن أفكار اليوم التي يراها البعض ضربًا من المستحيل والأحلام، هي الركائز الأساسية التي ستقوم عليها حضارة الغد المشرق، وأن حدود اليوم ليست بالضرورة حدود الغد لمن امتلك البصيرة والشجاعة.