مهدي آل عثمان
في المجتمعات التي تطمح إلى بناء مؤسسات قوية، لا يكفي أن تمتلك أنظمة وتشريعات متقدمة، بل إن نجاحها الحقيقي يقاس بقدرتها على ترسيخ العدالة، وحماية تكافؤ الفرص، وجعل الكفاءة هي المعيار الوحيد للوصول إلى المسؤوليات والمكتسبات. غير أن هذه المبادئ قد تتعرض للاختلال حين تتدخل العلاقات الشخصية في صناعة القرار، ويصبح النفوذ وسيلة لتجاوز الأنظمة، فتغلب المصلحة الخاصة على المصلحة العامة. عندها لا تعود القضية مجرد «واسطة»، بل تتحول إلى تحالف مصالح يقوض العدالة ويستنزف مقدرات الوطن بصمت.
ومن المهم منذ البداية التفريق بين الشفاعة التي دعا إليها الإسلام، وبين الواسطة التي تُهدر بها الحقوق. فالشفاعة الحسنة صورة من صور التكافل الاجتماعي، يُقصد بها إعانة صاحب حق، أو تفريج كربة، أو تيسير أمر مشروع دون أن يُنتقص حق أحد، وقد قال تعالى: {مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا}. أما إذا تحولت الشفاعة إلى وسيلة لتقديم غير المستحق، أو تجاوز الأنظمة، أو إقصاء الأكفأ، فإنها لم تعد شفاعة، وإنما أصبحت واسطة، مهما كان الاسم الذي تُطلق به. فالأسماء لا تغير الحقائق، والنيات الحسنة لا تبرر ضياع الحقوق.
فالواسطة في حقيقتها ليست تصرفاً فردياً عابراً، بل هي تحالف مصالح يقوم على ثلاثة أركان، صاحب نفوذ يستغل صلاحياته، ومستفيد يقبل ما ليس من حقه، ووسيط يوظف علاقاته لتحقيق منفعة متبادلة. وكل طرف من هؤلاء يؤدي دوراً في صناعة قرار لا يقوم على العدالة، وإنما على المصالح الخاصة، فتتحول العلاقة الشخصية إلى وسيلة للالتفاف على الأنظمة.
وتكمن خطورة هذا التحالف في أنه لا يمنح ميزة لشخص فحسب، بل يسلبها من آخر. فالوظيفة التي يحصل عليها غير المستحق تُحرم منها كفاءة تستحقها، والترقية التي تُمنح بالمحاباة تؤخر مجتهداً أفنى جهده في العمل، والعقد الذي يُرسى بالعلاقات يُغلق الباب أمام من هو أكثر قدرة وكفاءة. ولذلك فإن الواسطة لا تصنع رابحاً واحداً، بل تخلّف خاسرين كثر، أفراداً ومؤسسات ووطناً بأكمله.
والأخطر من ذلك أن آثارها لا تقف عند حدود القرار، بل تمتد إلى مستقبل المؤسسات. فعندما يتولى غير المؤهل موقعاً لا يستحقه، يتراجع الأداء، وتزداد الأخطاء، وتضعف الإنتاجية، بينما يفقد أصحاب الكفاءات الثقة بأن الاجتهاد وحده يكفي للوصول. وهنا تبدأ أخطر نتائج الواسطة، فهي لا تقتل فرصة واحدة، بل تقتل الحافز، وتُضعف ثقافة الإنجاز، وتزرع الإحباط في نفوس المتميزين.
ولعل من أكثر ما يطيل عمر الواسطة محاولات تجميلها بأسماء مختلفة، فتارة تُسمى شفاعة، وتارة فزعة، وتارة رداً للجميل، بينما حقيقتها واحدة إذا ترتب عليها إهدار حق أو تجاوز نظام. فالشفاعة المشروعة تعين صاحب الحق على الوصول إلى حقه، أما الواسطة فتمكن غير المستحق من الوصول إلى حق ليس له، وبين الأمرين فرق جوهري لا ينبغي أن يختلط.
كما أن المسؤولية لا تقع على صاحب القرار وحده، بل تشمل كل من يشارك في هذا التحالف، فالمستفيد الذي يقبل ما يعلم أنه ليس من حقه شريك في الخطأ، والوسيط الذي يستثمر علاقاته لإقصاء الأكفاء يتحمل نصيبه من المسؤولية، وصاحب المنصب الذي يقدم المعرفة على الاستحقاق يخل بالأمانة التي أوكلت إليه. ولهذا فإن الواسطة ليست خطأ فردياً، وإنما منظومة متكاملة لا تستمر إلا بتواطؤ جميع أطرافها.
وقد جاءت رؤية المملكة 2030 لتؤسس لمرحلة جديدة يكون فيها معيار النجاح هو الكفاءة، وتكون النزاهة والشفافية ركيزة في العمل الحكومي والخاص. ولم يكن من قبيل المصادفة أن يؤكد صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، أن مكافحة الفساد تبدأ من أعلى هرم السلطة، وأنه لن يفلت أي شخص تثبت عليه قضية فساد، مهما كان منصبه أو مكانته. وهذه الرسالة لم تكن مجرد تصريح، بل أصبحت نهجاً عملياً عزز الحوكمة، ورسخ مبدأ أن لا أحد فوق النظام، وأن حماية المال العام والعدالة وتكافؤ الفرص مسؤولية لا تقبل الاستثناء.
ومن هذا المنطلق، فإن تحالف المصالح الذي تقوم عليه الواسطة يمثل تحدياً حقيقياً لجهود الإصلاح، لأنه يلتف على الأنظمة دون أن يخرقها أحياناً بصورة مباشرة، ويمنح الامتيازات عبر العلاقات بدلاً من الاستحقاق. وقد لا يقترن برشوة مالية، لكنه يؤدي إلى النتيجة نفسها، وهي إهدار الحقوق، وإضعاف الثقة، وإبطاء التنمية، واستنزاف الكفاءات.
إن الأنظمة مهما بلغت من القوة، لن تحقق أهدافها ما لم يتحول احترامها إلى ثقافة مجتمعية. فكل فرد يرفض طلب حق ليس له، وكل مسؤول يمتنع عن استغلال نفوذه، وكل وسيط يدرك أن العلاقات ينبغي أن تكون سبيلاً للإصلاح لا للإقصاء، يسهم في حماية العدالة، ويشارك في بناء وطن يقوم على الاستحقاق لا على المحاباة.
إن الأوطان لا تنهض بالمجاملات، وإنما تنهض حين يشعر كل مواطن أن فرصته محفوظة، وأن جهده مقدر، وأن النظام يحمي حقه دون تمييز. وعندما تنتصر الكفاءة، يربح الجميع. أما عندما ينتصر تحالف المصالح، فإن الخاسر الحقيقي ليس فرداً حُرم من وظيفة أو ترقية، بل وطنٌ يخسر جزءاً من عدالته، ويؤخر مسيرة تنميته، ويبدد أثمن ما يملك… الإنسان الكفء.