عبدالعليم مبارك
يندر في تاريخ الاقتصاد الحديث أن نشهد تحولاً يعيد تعريف مفهوم «القيمة» ذاته بالسرعة التي يفعلها الذكاء الاصطناعي اليوم، فلطالما ارتبطت القيمة الاقتصادية بامتلاك الأرض، ثم برأس المال الصناعي، ثم بالمعلومة والبيانات في زمن الطفرة الرقمية الأولى، أما اليوم فقد انتقلت بؤرة الثقل نحو معيار أكثر دقة وخطورة: القدرة على توجيه الأنظمة الذكية وضبط مسارها، لا مجرد استهلاك مخرجاتها. هذا التحول أعاد صياغة جذرية لمنطق توزيع الثروة والنفوذ على مستوى الكوكب، إذ باتت الجهات القادرة على تدريب النماذج الكبرى وتوجيه سلوكها تحتل موقع الصدارة في هرم القوة العالمي الجديد، بينما ينزلق الآخرون، شركات ودولاً وأفراداً، إلى موقع المستخدم التابع مهما بلغ حجم استفادته الظاهرية من هذه الأدوات.
وإذا كانت الأجيال السابقة من الثورات الصناعية قد اقتصر أثرها غالباً على استبدال العضلة البشرية بالآلة، فإن ما يجري اليوم أعمق أثراً وأشد تعقيداً، إذ يطال جوهر عملية التفكير والتقدير والاختيار، فالخوارزمية لم تعد تكتفي بتنفيذ أوامر مسبقة الصياغة، بل باتت تشارك فعلياً في صياغة القرار نفسه، من غرف اجتماعات الشركات الكبرى إلى مختبرات البحث العلمي ووحدات التخطيط الحكومي، وهذا الانتقال من «الأداة المنفّذة» إلى «الشريك المقرر» يفرض على الباحثين في اقتصاديات العمل تجاوز السؤال التقليدي حول عدد الوظائف المهددة، والانتقال إلى سؤال أكثر جوهرية: كيف يمكن الحفاظ على مركزية الحكم البشري في لحظة يتشارك فيها الإنسان صناعة القرار مع كيان لا يشعر ولا يتحمل تبعات أخطائه بالمعنى الأخلاقي والقانوني الذي يتحمله الإنسان؟
بيد أن التسليم بخطورة هذا التحول لا ينبغي أن ينزلق نحو التشاؤم المطلق الذي يسود كثيراً من الخطاب العام حول «زوال الوظائف»، فالوقائع تشير إلى معادلة أكثر توازناً مما يُروَّج له، ذلك أن بناء البنية التحتية اللازمة لتشغيل هذه الأنظمة الذكية وصيانتها يستدعي منظومة كاملة من الاختصاصات المستحدثة لم يكن لها وجود قبل سنوات قليلة: من مهندسي بيانات يتولون تنقية المدخلات وضبط جودتها، إلى خبراء «توجيه النماذج» الذين تتلخص مهمتهم في صياغة الأوامر والسياقات التي تستخرج من الأنظمة الذكية أفضل أدائها الممكن، وصولاً إلى مدققين أخلاقيين يراجعون مخرجات هذه الأنظمة، وتزداد قيمة هذه الاختصاصات كلما تعقّدت الأنظمة ذاتها، إذ إن الآلة الأكثر تطوراً هي الأكثر حاجة، لا الأقل حاجة، إلى عين بشرية ساهرة تراقب أداءها وتصحح انحرافاتها قبل أن تتحول إلى قرارات نافذة على أرض الواقع.
ولا يقف أثر هذا التحول عند حدود الاختصاصات التقنية الرفيعة، بل يمتد ليعيد تشكيل قطاعات كاملة من الخدمات المساندة التي كانت تُدار تقليدياً بجهد بشري مباشر، لكنها في المقابل فتحت الباب أمام أدوار جديدة تتطلب حساسية إنسانية أرفع: موظفون متخصصون في معالجة الحالات المستعصية التي تعجز الخوارزمية عن فهم سياقها العاطفي أو الثقافي، ومصممون يعملون على هندسة تجربة تفاعل متوازنة بين الآلي والبشري بحيث لا يشعر المستفيد بالغربة أمام واجهة صماء، وهذا يكشف عن نمط متكرر في هذه المرحلة الانتقالية: كلما تراجع حضور الإنسان في المهام الروتينية المتكررة، ازداد الطلب على حضوره في نقاط التماس الحساسة التي تتطلب حكماً أخلاقياً وتعاطفاً حقيقياً، وهو ما تعجز الخوارزمية، عن محاكاته بصدق كامل.
وختاماً، فإن أفدح خطأ يمكن الوقوع فيه عند مقاربة هذا التحول هو التعامل معه بوصفه قدراً حتمياً يُفرض على المجتمعات من خارجها، بينما هو في جوهره نتاج خيارات سياسية واقتصادية قابلة للتوجيه والمساءلة، فمن يملك اليوم القدرة على توجيه العقل الاصطناعي هو من سيحدد غداً ملامح توزيع الثروة والفرص بين الأمم والأفراد على حد سواء، وهو ما يضع على عاتق صانعي السياسات مسؤولية مضاعفة لبناء منظومات تعليمية تُخرّج أجيالاً قادرة لا على استخدام الأدوات الذكية فحسب، بل على فهم منطقها الداخلي والتحكم في وجهتها، إلى جانب صياغة أطر حوكمة دولية تمنع احتكار هذه القدرة لدى حفنة ضيقة من الفاعلين الكبار.
** **
- كاتب وروائي مصري