ناهد الأغا
الثقافة طبقات من الروح تتراكم عبر الأجيال؛ هي اللغة التي نسبق بها الكلمات، والعادات التي نعيشها، والقيم التي تهذب سلوكنا، أما الفنون فهي لسان الثقافة، تتحدث بالألوان والأصوات والحركات، وتصل إلى الإنسان مهما اختلفت لغته أو انتماؤه.
وإذا كانت الثقافة تجيب عن سؤال: من نحن؟ فإن الفنون تجيب عن سؤال: كيف نعبر عن هويتنا؟…
الثقافة بيت دافئ يضمّ الروح ويحميها من برد الفناء، والفنون شرفاته المطلّة على الغيم، ونوافذه المشرَعة على ضوء القمر، تلك الكوى الصغيرة التي يتسلّل منها شعاع خافت، فيذكر القاطنين بأن ثمّة، في الخارج، سماء تعج بالأسرار، وأفقاً يولد الإبداع في أحشائه كلّ لحظة…
ومن هذا المفهوم جاءت أكاديمية آفاق للفنون والثقافة بوصفها مبادرة تعليمية وطنية وثمرة شراكة بين وزارة التعليم ووزارة الثقافة، تستهدف اكتشاف المواهب الثقافية لدى الطلاب والطالبات في التعليم العام، ورعايتها وتنميتها ضمن بيئة تعليمية متكاملة.
وتُعد الأكاديمية أول نموذج من نوعه في المملكة العربية السعودية يجمع بين التعليم الأكاديمي المعتمد والبرامج الثقافية المتخصصة، في بيئة محفزة تصنع التوازن بين المعرفة والإبداع، وتؤمن بأن الموهبة تحتاج إلى تعليم ورعاية بقدر حاجتها إلى الشغف، كما تتفتح أمام الطالب ثلاثة مسارات رئيسة؛ فالفنون البصرية تمنحه لغة الألوان والخطوط للتعبير عن رؤيته، والفنون الأدائية تنمي حضوره وثقته بنفسه عبر المسرح وفنون التعبير، بينما تفتح الموسيقى أمامه فضاء من الإحساس والإبداع، ليكتمل بذلك بناء شخصية متوازنة قادرة على التأثير… وقد ركزت المرحلة الأولى على طلاب الصفين الرابع والخامس الابتدائي، والأول والثاني المتوسط، وهي مرحلة عمرية تُعد الأكثر ملاءمة لاكتشاف الميول الإبداعية وصقلها، كما انطلقت الأكاديمية في الرياض وجدة للبنين وللبنات، ضمن مرحلة تأسيسية تتبعها خطة توسع تدريجية تشمل بقية مناطق المملكة والمراحل الدراسية، وتحرص الأكاديمية على الجمع بين المعايير العالمية والهوية الثقافية السعودية، وتشجع الطلاب على استلهام التراث الوطني وتقديمه برؤى معاصرة، بما يعزز قدرتهم على المنافسة والإبداع دون التفريط بجذورهم الثقافية…
ولا تقف رسالة الأكاديمية عند حدود المدرسة، بل تمتد إلى إعداد طلابها للالتحاق بالجامعات المتخصصة، وبرامج الابتعاث الثقافي، والشراكات الدولية، ليكونوا مبدعين يحملون هويتهم الوطنية إلى العالم بلغة الفن، جامعِين بين أصالة الإرث السعودي وروح الإبداع المعاصر…
وفي الختام، تجد أكاديمية آفاق مكانها الطبيعي في قلب رؤية المملكة 2030، التي تؤمن بأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بالإنسان، وبثقافته، وبقدرته على الإبداع، لأن بناء المستقبل لا يكتمل إلا بعقول متعلمة، وأرواح مبدعة، وهوية راسخة، لتظل المملكة منارة ثقافية تشع بالجمال، ويظل أبناؤها سفراءها إلى كل شمس تشرق.. ومع توالي السنوات، ينتقل هؤلاء الطلبة من مرحلة التأسيس والتلقي إلى مرحلة الإنتاج والإسهام الفاعل في المشهد الثقافي العالمي، حاملين معهم الموروث الثقافي والمعرفي الذي تشكّل في تلك اللحظات التكوينية المبكرة داخل بيئة الأكاديمية.