أمل حمدان الشريف
ليست المشكلة في أن تتطور الحياة، ولا في أن تتسع خيارات الإنسان، فالتقدم بطبيعته يغيّر أنماط العيش ويعيد تشكيل تفاصيلها. لكن الإشكال يبدأ عندما يتغير مفهوم الحاجة، فتتوارى الضرورات الحقيقية خلف كماليات نجحت في إقناعنا بأنها لا غنى عنها.
لقد أصبح الإنسان المعاصر يعيش تحت تأثير ثقافة تُعيد تعريف الاحتياج كل يوم. فما كان بالأمس رفاهية، أصبح اليوم مطلبًا لا يحتمل التأجيل، وما كان خيارًا شخصيًا، تحول إلى معيار اجتماعي يُقاس به النجاح والمكانة وجودة الحياة. ولم يعد السؤال: «هل أحتاج هذا؟» بل أصبح: «كيف أعيش من دونه؟».
هذا التحول لم يأتِ من فراغ؛ فقد أسهمت وسائل الإعلام، والإعلان، ومنصات التواصل الاجتماعي، في صناعة واقع جديد تُقاس فيه الحياة بما يُعرض لا بما يُعاش، وبما يُقتنى لا بما يُنتج، وبما يراه الآخرون لا بما يحتاجه الإنسان فعلًا. وهكذا تسللت الكماليات إلى حياتنا بهدوء، حتى ارتدت ثوب الضرورة.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أنها لا تستنزف الدخل فحسب، بل تستنزف القناعة أيضًا. فكلما اتسعت دائرة الكماليات، ضاقت مساحة الرضا، وأصبح الإنسان يطارد مستوى جديدًا من الرفاهية لا يصل إليه؛ لأن سقف التوقعات يرتفع كلما لبّى رغبة جديدة. وهنا تتحول الحياة إلى سباق لا ينتهي، وتغدو المقارنة أسلوبًا للعيش، بدل أن تكون القناعة مصدرًا للطمأنينة.
ولا يعني هذا الدعوة إلى الزهد في كل جديد أو رفض مظاهر التطور، فالتقنية، والراحة، وجودة الحياة، كلها مكاسب تستحق التقدير. لكن الفارق كبير بين أن نستخدم الكماليات لتحسين حياتنا، وبين أن نسمح لها بإعادة تعريف احتياجاتنا، حتى يصبح الاستغناء عنها مصدرًا للقلق، لا مجرد خيار.
إن المجتمعات الأكثر وعيًا ليست تلك التي تملك أكثر، بل تلك التي تعرف ما تحتاج إليه حقًا. فالرشد لا يُقاس بحجم ما نقتنيه، وإنما بقدرتنا على التمييز بين ما يخدم حياتنا، وما يستنزفها باسم الحاجة.
وربما آن الأوان أن نعيد طرح سؤال بسيط على أنفسنا قبل كل قرار استهلاكي: هل هذه ضرورة فعلًا، أم أنها كمالية ارتدت ثوب الضرورة؟ فالإجابة عن هذا السؤال لا تحفظ المال فحسب، بل تحفظ أيضًا التوازن، وتُعيد للإنسان حريته في أن يختار حياته، بدل أن يملي عليه السوق ما يجب أن يريده.
إن الحضارة الحقيقية لا تُقاس بوفرة المقتنيات، بل بعمق الوعي. وكلما امتلك الإنسان القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، أصبح أكثر قدرة على أن يعيش حياة متوازنة، لا تُدار بما يملكه، بل بما يدرك قيمته.