ناصر بن فريوان الشراري
في كل صباح، ومع تباشير الضياء الأولى التي تغسل وجه مدينتي «القريات»، أرقب مشهداً يتكرر بدقة الآلة، برادات شركات الألبان الوطنية الكبرى تقف بزهو أمام الأسواق المركزية (السوبرماركت)، لتفرغ حمولتها من خيرات هذا الوطن، ثلاجات ممتدة وأرفف تزدحم بشتى أنواع الألبان، الأجبان، العصائر، والحلويات، في مشهد يثلج الصدر ويجسد عمق واستقرار أمننا الغذائي وسلاسل الإمداد الوطنية، ولكن خلف هذه الوفرة وهذا الحراك المالي واللوجستي الضخم، تبرز ملاحظة تستحق التأمل والدراسة، وتتعلق بمدى تمكين الكوادر الوطنية الشابة في إدارة وتوجيه هذا الأسطول الميداني في أطراف الوطن.
إن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة المنطق والتنمية التنموية المستدامة: أين أبناؤنا الخريجون الذين يحملون الشهادات الجامعية والدبلومات المهنية من هذا المشهد؟ أين الشباب الذين يتوقون لفرصة عمل كريمة في مدنهم، يخدمون من خلالها مجتمعهم ويسهمون في نماء اقتصادهم المحلي، لاسيما في قطاع التجزئة والتوزيع الذي يعد عصب الحركة التجارية؟!
حين نتأمل استراتيجيات التوطين لدى بعض شركات الأغذية والألبان الكبرى في المملكة، نجد أنها حققت نسباً ممتازة ومثيرة للإعجاب من «السعودة» في المقار الرئيسية والإقليمية بالمدن الكبرى كالرياض، وجدة، والدمام، والقصيم، حيث المؤشرات تُقاس بدقة في المكاتب التنفيذية، ولكن التحدي الحقيقي يكمن في فروع هذه الشركات بالمحافظات والمدن الطرفية والحدودية، كالقريات وغيرها، إذ يبدو أن هذه الفروع بحاجة إلى التفاتة أعمق لخطط التوطين الفعلي، لتواكب وتيرة التمكين المستهدفة، وحتى لا تظل بعض المهن الحيوية والقيادية ميدانياً بعيدة عن متناول الكفاءات المحلية.
إن وظيفة «مشرف المبيعات» أو «مراقب الخطوط اللوجستية» ليست مجرد مهام روتينية، بل هي عصب قطاع التجزئة، وتوفر دخلاً مجزياً ومميزات وبيئة عمل مستقرة، والشاب السعودي اليوم، بمؤهله الجامعي وطموحه المتوقد، قادر على إدارة هذه المنظومة بكفاءة وأمانة عالية، متى ما أتيحت له الفرصة وتمت تهيئة البيئة الجاذبة له، وتجاوزت الشركات النظرة التقليدية القائمة على تفضيل الكوادر الوافدة لتقليل التكلفة التشغيلية، مستغلةً بُعد المسافة الجغرافية عن مراكز القرار.
إن تعزيز واقع التوطين في الفروع والمحافظات كافة يتماشى جملة وتفصيلاً مع مرتكزات رؤية المملكة المباركة 2030، التي تنص على تنمية المدن والمحافظات كافة، وتحقيق التوازن التنموي البشري والاقتصادي، إننا نتطلع إلى توطينٍ شامل يمتد أثره الإيجابي إلى كافة فروع ومستودعات الشركات على امتداد خارطة الوطن، وألا يقتصر التركيز على الأرقام الإجمالية في المدن الكبرى لغرض ضبط مؤشرات «نطاقات» فقط.
من هنا، نتطلع بثقة الكاتب والمواطن إلى الدور الرقابي المستمر لوزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، عبر تكثيف الجولات التفتيشية الدورية والمفاجئة من فروع الوزارة بالمناطق على مستودعات وفروع شركات الأغذية والألبان في المحافظات، للتأكد من مطابقة واقع المهن على الأرض مع المسميات النظامية، وضمان عدالة الفرص الوظيفية.
أبناؤنا يحملون المؤهلات، ولديهم الاستعداد الكامل للكفاح والسعي وراء الرزق الحلال في مدنهم التي نشأوا فيها، والشركات الوطنية الكبرى مدعوة لإبداء مسؤولية اجتماعية ومواطنة اقتصادية تترجم واقعاً يراه المواطن في أسواقه المحلية، لقد حان الوقت لتمكين «ابن الوطن» من استلام دفة هذه الخلايا اللوجستية، فأبناء المحافظات هم ركيزة البناء، وهم الأولى والأحق بالمساهمة في نهضة واقتصاد مدنهم الغالية.