د. عبدالله علي بانخر
في تاريخ العلاقات العربية، ثمة وشائج تتجاوز الأطر الدبلوماسية المألوفة، والمصالح السياسية العابرة، لتستقر في مساحات الوجدان الإنساني المشترك، والنضال القومي والفكر التنويري الأصيل. ولعل النموذج الأبرز على هذه العلاقات الاستثنائية، هو تلك الرابطة الفكرية والإنسانية العميقة التي جمعت خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز بأحد أهم أعمدة الأدب والصحافة العربية في القرن العشرين، الروائي والمفكر المصري الكبير إحسان عبدالقدوس.
خندق 1956.. تلاحم أبناء آل سعود مع المقاومة المصرية
لم تكن معرفة الملك سلمان بن عبدالعزيز بمصر وبمثقفيها وليدة قراءات متأخرة أو لقاءات بروتوكولية، بل صُهرت في أتون النضال الميداني المشترك. فحين تعرضت مصر لـ»العدوان الثلاثي» الغاشم عام 1956، لم تقف المملكة العربية السعودية موقف المتفرج؛ إذ انتفض العاهل السعودي آنذاك، الملك سعود بن عبدالعزيز، معلناً التعبئة العامة وفتح معسكرات التطوع لكل قادر على حمل السلاح دفاعاً عن العروبة ومصر.
وفي مشهد تاريخي مهيب وثقته عدسات المجلات والصحف المصرية كـ»المصور» و»أخبار اليوم»، كان في طليعة الملتحقين بمعسكرات التدريب العنيفة أمراء آل سعود، بينهم الأمير الشاب (آنذاك) سلمان بن عبدالعزيز مرتدياً الزي العسكري -وكان في الحادية والعشرين من عمره- برفقة شقيقيه الأمير فهد بن عبدالعزيز (الملك الراحل) والأمير تركي بن عبدالعزيز -رحمه الله-.
محطة 1954.. زنزانة الحرية والتحول التاريخي نحو رواية الوجدان
بالتوازي مع هذه الأحداث، كان إحسان عبد القدوس يعيش ذروة تقلباته السياسية العنيفة في القاهرة. فرغم كونه من المقربين جداً للضباط الأحرار وصديقاً شخصياً لجمال عبد الناصر قبل ثورة يوليو 1952، إلا أن بوصلة إحسان لم تكن تحيد عن الحريات الديمقراطية.
وفي عام 1954، فجر إحسان قنبلة صحفية عبر مجلة «روز اليوسف» التي كانت ترأسها والدته السيدة فاطمة اليوسف، حين نشر مقاله التاريخي الشهير والمزلزل «الجمعية السرية التي تحكم مصر». في هذا المقال، انتقد إحسان بشكل مباشر انفراد مجلس قيادة الثورة بالقرارات وطالب بعودة الجيش فوراً إلى الثكنات لإرساء حكم ديمقراطي مدني حر.
ثمن الكلمة كان باهظاً؛ حيث تم اعتقال إحسان فوراً واقتيد إلى «السجن الحربي» بأمر من السلطة آنذاك، ليمضي فيه أسابيع قاسية مرتدياً الملابس الزرقاء. بعد خروجه من السجن، اتخذ إحسان قراراً مصيرياً بالانعزال التدريجي عن معارك السياسة المباشرة واليومية، موجهاً طاقته الإبداعية الجبارة نحو الرواية والقصة والأدب الاجتماعي والوجداني وتشريح النفس البشرية. هذا التحول منح الأدب العربي روائع كلاسيكية تحولت لاحقاً لأيقونات السينما مثل «في بيتنا رجل»، «لا تطفئ الشمس»، و»الوسادة الخالية».
رؤية ملكية ثاقبة تفكك شفرات القلم «المشاكس»
هذا القلم الحر والمشاكس، حظي بإعجاب استثنائي من الأمير سلمان بن عبدالعزيز، الذي عُرف بين الملوك بكونه «مؤرخ آل سعود» والقارئ الموسوعي النهم الذي يمتلك واحدة من كبريات المكتبات الخاصة في المنطقة العربية.
كان الأمير - الملك - سلمان يرى في قصص وكتابات إحسان عبد القدوس بعد عام 1954 ما هو أبعد من مجرد حكايات اجتماعية عاطفية؛ كان يرى فيها قراءة سياسية مبطنة وتشريحاً عميقاً للمجتمع العربي التواق للانعتاق وتجاوز التابوهات. لم ينظر الأمير إلى إحسان من منظور الخلافات السياسية الضيقة، بل من منظور القيمة المعرفية والفكرية الراسخة.
مجلس الرياض.. واحة فكرية تحتفي بصاحب الحلم المؤجل
حين تولى الأمير سلمان بن عبدالعزيز إمارة منطقة الرياض، حوّل قصر الإمارة ومجلسه الخاص في قصره العامر إلى واحة فكرية وملتقى جامع لكبار المفكرين والعلماء والأدباء العرب والمصريين. وفي هذا المجلس، كان لإحسان عبد القدوس مكانة رفيعة الحفاوة والتقدير عند زياراته للمملكة.
وفي تلك اللقاءات الودية، كان الأمير الشاب سلمان عبدالعزيز يستعيد مع إحسان ذكريات حرب 1956 المشتركة، ويناقشه بدقة شديدة في تفاصيل رواياته ومقالاته المنشورة بمؤسسة «أخبار اليوم» ثم «الأهرام». كان الحوار بينهما حواراً بين رجل دولة يمتلك رؤية ثقافية شاملة، وأديب يمتلك رؤية إنسانية ثاقبة. تميزت هذه اللقاءات بالصدق الشديد والودية والبعد التام عن التكلف، حيث كان الأمير سلمان آنذاك يثني علانية على شجاعة إحسان الفكرية وموقفه المبدئي من قضايا الأمة في الخمسينيات.
إهداءات حية وخطوط اتصال دافئة لم تقطعها الأيام
لم تكن العلاقة بين سلمان وإحسان تقتصر على اللقاءات الرسمية أو الزيارات المتباعدة، بل تحولت إلى ما يشبه الرابطة المستمرة؛ إذ شهدت العقود التالية خطوط اتصال مفتوحة وقنوات ود نابضة:
* تبادل المؤلفات والرسائل الثنائية: كان إحسان عبد القدوس يحرص شخصياً على إرسال الطبعات الأولى الموقعة من رواياته ومجموعاته القصصية إلى مكتب الأمير سلمان في الرياض، مدركاً أن كتابه سيجد قارئاً متميزاً يناقشه في أدق تفاصيله عبر اتصالات هاتفية أو رسائل مكتوبة.
* برقيات الدعم والاطمئنان: في السنوات الأخيرة من حياة إحسان، ومع تراجع حالته الصحية وإصابته بوعكات متتالية، كان الأمير سلمان حريصاً على متابعة حالته الصحية والاطمئنان عليه بشكل دوري، مقدماً كل الدعم والتقدير الرمزي لرمز من رموز الفكر العربي.
وظل هذا الحبل الودي ممدوداً وقوياً حتى وافت المنية الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس في 11 يناير من عام 1990م.
مدرسة الوفاء السلماني تتجاوز الغياب وتثمر في الأبناء
إن الميزة الكبرى التي تعكس أصالة مواقف الملك سلمان بن عبدالعزيز هي ألا تنتهي علاقاته برحيل أصحابها، وهذا ما تجسد بوضوح مع أسرة إحسان عبد القدوس.
فبعد وفاة الأديب الراحل، استمر الملك سلمان في التواصل الإنساني مع عائلته، مبدياً اهتماماً وتقديراً بالغين لولديه:
* الكاتب والصحفي الراحل محمد إحسان عبد القدوس: الذي واصل المسيرة الصحفية لوالده.
* المهندس أحمد إحسان عبد القدوس: الذي سلك طريقاً مهنياً مستقلاً في عالم الهندسة لكنه ظل حارساً أميناً لإرث أبيه الأدبي.
وفي أكثر من مناسبة ثقافية وتكريمية، عبّرت أسرة إحسان عبد القدوس عن فخرها واعتزازها بهذا الوفاء الملكي المستمر، مؤكدين أن الملك سلمان يعامل إرث والدهم الأدبي باعتباره موروثاً عربياً وليس مصرياً فحسب، وأن هذا الود المتوارث يعكس نبل القائد والملك وتجذره في قيم العروبة الأصيلة.
تحالف الفكر والقيادة كحصن منيع لحماية التنوير العربي
إن قراءة الفصول غير المروية في العلاقة بين الملك سلمان بن عبدالعزيز والأديب إحسان عبد القدوس تقدم درساً بليغاً في كيفية صياغة الوعي المشترك؛ فالسياسة بطبيعتها قد تفرقها المصالح والمواقف المتباينة، لكن الثقافة والفكر والتقدير الإنساني يبني جسوراً منيعة غير قابلة للهدم.
لقد وقف الملك سلمان بجانب الأدباء والمفكرين العرب كراعٍ ومحب وعارف بقيمتهم؛ فمن خندق المقاومة بالسلاح عام 1956 إلى منابر الفكر ومجالس الأدب بالرياض، ظلت العلاقة مع إحسان عبد القدوس وغيره من الصحفيين والإعلاميين نموذج حي يؤكد أن الكلمة الصادقة تظل محل تقدير وإجلال من القادة العظام الذين يؤمنون بأن نهضة الأمم لا تكتمل إلا بتلاحم الفكر مع القيادة وبناء مجتمعات واعية.
* * *
المراجع والمصادر:
* الأهرام، جريدة. (2016، 6 أبريل). مصر في قلب الملك سلمان.. التاريخ يشهد أن العاهل السعودي دافع عن ترابها متطوعاً في الحرس الوطني عام 1956. بوابة الأهرام الرقمية.
* الحازمي، منصور. (2011). الملك سلمان واللقاءات الثقافية: دراسة في صالون الرياض الأدبي ورعايته للمفكرين العرب. دار العلوم للنشر والتوزيع.
* عبد القدوس، إحسان. (1954، 15 أبريل). الجمعية السرية التي تحكم مصر. مجلة روز اليوسف، (1348)، 4-7.
* عبد القدوس، محمد إحسان. (2018). أبي إحسان عبد القدوس: صفحات مطوية من النضال والسياسة والأدب. دار الشروق للنشر والتوزيع.
* اليوسف، فاطمة. (1976). ذكريات روز اليوسف (ط. 2). مؤسسة روز اليوسف الصحفية.