د. طلال الحربي
حين يصدر أمر ملكي بتعيين صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرًا للصناعة والثروة المعدنية، إضافةً إلى استمراره وزيرًا للطاقة، فإن القراءة المتأنية لهذا القرار تتجاوز حدود التعيين الوزاري التقليدي، لتلامس فلسفة إدارية واقتصادية عميقة تنتهجها المملكة العربية السعودية في هندسة مؤسساتها الاقتصادية. فالقرار ليس إعادة توزيع لحقائب وزارية بقدر ما هو إعادة تعريف للعلاقة البنيوية بين ثلاثة قطاعات تشكّل في مجموعها العمود الفقري للاقتصاد الوطني: الطاقة، والصناعة، والثروة المعدنية.
إن الأمير عبدالعزيز بن سلمان يُعد بحق من أبرز صُنّاع القرار في أسواق الطاقة العالمية، إذ قاد سياسة المملكة النفطية خلال مرحلة شهدت من التقلبات الحادة ما لم تشهده الأسواق منذ عقود؛ من جائحة عالمية أطاحت بالطلب، إلى اضطرابات جيوسياسية عصفت بسلاسل الإمداد، إلى تحولات كبرى في خارطة الطاقة الدولية.
وفي خضم هذه العواصف، تولى سموه دورًا محوريًا في تحالف «أوبك+»، مُظهرًا قدرة استثنائية على إدارة التوازنات الدقيقة بين المنتجين، وحماية استقرار الأسواق، وصون المصالح الوطنية العليا، حتى غدا اسمه مقترنًا في الأدبيات الاقتصادية العالمية بالحصافة والصلابة التفاوضية والرؤية الاستشرافية. وهي خبرة تراكمت عبر ما يقارب أربعة عقود قضاها سموه في قطاع الطاقة، متدرجًا في مواقعه ومسؤولياته، عارفًا بتفاصيله الدقيقة، ملمًّا بتشابكاته المحلية والدولية.
و هذا القرار يجسّد منطق التكامل الذي باتت المملكة تديره باقتدار. فالصناعة الحديثة لا تنهض بمعزل عن الطاقة، والطاقة لا تحقق قيمتها القصوى ما لم تتحول من سلعة تُصدَّر خامًا إلى مُدخل إنتاجي يغذي سلاسل قيمة صناعية متكاملة، والثروة المعدنية التي تقدَّر بأرقام غير مسبوقة في باطن الأرض السعودية تظل كامنة ما لم تجد منظومة صناعية قادرة على استخراجها ومعالجتها وتحويلها إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية.
إن جمع هذه القطاعات الثلاثة تحت قيادة واحدة يعني توحيد الرؤية، وتسريع القرار، وإزالة الحواجز البيروقراطية بين منظومات كانت تعمل متجاورة لا متكاملة، بما يمكّن المملكة من بناء اقتصاد صناعي تنافسي يستند إلى ميزاتها النسبية في الطاقة والمعادن معًا.
وتأتي هذه الخطوة في لحظة مفصلية من مسيرة الإستراتيجية الوطنية للصناعة، التي تستهدف تحويل المملكة إلى قوة صناعية عالمية، ورفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي إلى 895 مليار ريال بحلول عام 2030. كما تسعى المملكة إلى زيادة صادراتها غير النفطية إلى أكثر من 550 مليار ريال بحلول العام ذاته، بما يعادل نحو ثلاثة أضعاف مستوياتها المسجلة في عام 2020. وهي مستهدفات طموحة بكل المقاييس، غير أن الطموح في المملكة لم يعد ترفًا خطابيًا، بل منهج عمل تسنده إرادة سياسية صلبة، وموارد ضخمة، وكفاءات وطنية أثبتت جدارتها في أعقد الملفات.
وليس خافيًا على المتابع أن الأمير عبدالعزيز بن سلمان هو من رجال رؤية صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء؛ أولئك الرجال الذين اصطفتهم القيادة لحمل أثقل الملفات وأكثرها حساسية، لما يجمعونه من عمق المعرفة وصلابة الموقف وسرعة الإنجاز. فرؤية السعودية 2030 لم تكن يومًا وثيقة نظرية، بل مشروع دولة يقوده رجال يؤمنون به إيمانًا راسخًا، ويترجمونه على الأرض منجزات تتوالى عامًا بعد عام. وتكليف سموه بهذه المسؤولية المضاعفة إنما هو شهادة ثقة ملكية رفيعة، وتعبير عن إدراك القيادة أن المرحلة المقبلة من التحول الاقتصادي تتطلب قيادة تجمع بين الخبرة العالمية في الطاقة والقدرة على تحويل هذه الخبرة إلى رافعة صناعية وتعدينية شاملة.
إن المتأمل في التجارب الدولية الناجحة يدرك أن الدول التي حققت نهضتها الصناعية إنما فعلت ذلك حين أحسنت الربط بين مواردها الطبيعية وقدراتها التحويلية، وحين أوكلت هذا الربط إلى قيادات تملك الرؤية والأدوات معًا. والمملكة اليوم، بما تملكه من احتياطيات طاقة هي الأضخم عالميًا، وثروات معدنية واعدة، وبنية تحتية صناعية متسارعة النمو، ومدن اقتصادية عملاقة، مؤهلة لأن تكتب فصلًا جديدًا في تاريخها الاقتصادي، تنتقل فيه من موقع المصدّر الأول للطاقة إلى موقع القوة الصناعية المتكاملة التي تصنع وتصدّر وتنافس في الأسواق العالمية.
وفي المحصلة، فإن تعيين الأمير عبدالعزيز بن سلمان وزيرًا للصناعة والثروة المعدنية إلى جانب حقيبة الطاقة ليس قرارًا إداريًا عابرًا، بل رسالة إستراتيجية واضحة المعالم: أن المملكة ماضية في تكامل قطاعاتها الاقتصادية الكبرى تحت قيادات استثنائية، وأن مسيرة التحول التي أطلقتها رؤية 2030 تزداد رسوخًا وثباتًا، وأن الاقتصاد السعودي يتهيأ لمرحلة جديدة عنوانها الصناعة المتقدمة والتعدين الواعد والطاقة المستدامة، في منظومة واحدة تقودها كفاءة أثبتت للعالم أنها من طراز فريد.