عبدالكريم بن دهام الدهام
لم تعد جودة الحياة في العصر الحديث مرتبطة بالخدمات الأساسية وحدها، بل أصبحت ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالهوية البصرية والبيئة الجمالية التي يعيش فيها الإنسان.
فالجمال ليس مجرد مظهر خارجي أو عنصر تزييني، بل قيمة حضارية تسهم في تشكيل الوعي، وتعزيز الانتماء، ورفع مستوى الرضا والسعادة لدى أفراد المجتمع. ولهذا ارتبطت نهضة الأمم عبر التاريخ بقدرتها على صناعة بيئات جميلة تجمع بين الأصالة والإبداع والتنظيم.
وقد أدركت الحضارات الإنسانية منذ القدم أهمية الجمال بوصفه لغة عالمية تعكس مستوى الرقي الثقافي والفكري. فكانت المدن المزدهرة شاهدة على اهتمام الإنسان بالفنون والعمارة والمساحات العامة، كما تجلى ذلك في الحضارة الإسلامية التي قدمت نموذجاً فريداً جمع بين الإبداع الفني والبعد الروحي، فازدهرت العمارة الإسلامية والخط العربي والزخرفة بوصفها تجليات حضارية للجمال.
وفي المملكة العربية السعودية، برز الاهتمام بالجمال بوصفه أحد مرتكزات التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد في ظل رؤية المملكة 2030. فقد انعكس هذا التوجه في مشاريع تطوير المدن، والاهتمام بالمشهد الحضري، وتعزيز المساحات الخضراء، وإطلاق المبادرات الثقافية والفنية التي تهدف إلى الارتقاء بجودة الحياة. وتُجسد مشاريع كبرى مثل الرياض الخضراء، والحدائق العامة الحديثة، والمناطق الثقافية والتراثية، إضافة إلى الفعاليات الفنية والموسمية، رؤية طموحة تسعى إلى جعل الجمال جزءاً من تفاصيل الحياة اليومية للمواطن والمقيم.
كما يشهد القطاع الثقافي في المملكة حراكاً متنامياً من خلال المتاحف والمعارض الفنية والمهرجانات الثقافية، إلى جانب الاهتمام بالموروث الوطني والمحافظة على المواقع التاريخية والتراثية، بما يعزز حضور الهوية السعودية ويجعلها جزءاً من المشهد الجمالي المعاصر. فالجمال هنا لا يقتصر على البناء والعمران، بل يمتد ليشمل الثقافة والفنون والإنسان ذاته.
ومع ذلك، يبقى من المهم أن يتحول هذا الاهتمام إلى ثقافة مجتمعية راسخة تتجاوز حدود المشاريع والمبادرات. فالجمال الحقيقي يبدأ من السلوك اليومي، واحترام الأماكن العامة، والعناية بالبيئة، وتعزيز الذائقة الفنية لدى الأجيال الجديدة. كما أن المؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية مطالبة بدور أكبر في ترسيخ مفهوم الجمال باعتباره قيمة إنسانية وحضارية تسهم في بناء مجتمع أكثر وعياً وإبداعاً.
إن الاستثمار في الجمال هو استثمار في الإنسان قبل أي شيء آخر، لأنه ينعكس على جودة الحياة والصحة النفسية والإنتاجية والانتماء الوطني. ومن هنا تواصل المملكة مسيرتها نحو بناء مدن أكثر حيوية وإنسانية، تجمع بين الحداثة والأصالة، وتمنح الإنسان بيئة ملهمة تليق بطموحاته وتسهم في صناعة مستقبل أكثر إشراقاً واستدامة.