عبدالعزيز صالح الصالح
يسود هذا العالم الفسيح متغيرات مستمرة ومتعددة، فالبر والبحر في تغير دائم حتى الجبال، والحركات العنيفة المدمرة التي تقوم بها الزلازل والبراكين، ويقف عندها العلماء في التفسير، فكل علة تفسر بعلة، وكل ظاهرة تفسر بظاهرة، ولكن سر البحث وراء كل علة وكل ظاهرة، فيقف المرء آخراً عند سؤال لا جواب له.
فهنا يقف البشر ويقف العلم، وكذلك في كل ظاهرة: ما حقيقة الجاذبية؟ وما حقيقة الكهرباء؟ ومن الذي وضع هذه القوانين العديدة التي يسير عليها العالم الفسيح ويكتشفها العلم؟ وكل هذا – لا مجال للعلم فيه وهنا – يبدأ الدِّين حيث ينتهي العلم.
فإذا كان المرء ذا مزاج علمي فعليه النظر إلى الباري عزَّ وجلَّ في هذا النظام العجيب الدقيق في العالم من أصغر ذرة إلى أرقى جسم، من الحصاة إلى الجبل، ومن البذرة إلى الشجرة، ومن الحشرة إلى الإنسان، ومن السديم إلى الشمس، ومن الأرض إلى السَّماء تجدها كلها مكونة تكويناً واحداً في ذرتها، خاضعة لقوانين واحدة في سيرها وكلما تقدمنا في العلم تقدمنا في اكتشاف القوانين، حيث إن العالم محكوم بقوانين معقولة يتجاوب معها الكل.
وإن كنت ذا مزاج فني فانظر إلى الباري عزَّ وجلَّ في جمال العالم، فكر في القوَّة التي نشرت هذا الجمال في كل شيء في اتساق وانسجام انظره في جلال البحر وعظمه الجبال، وفي جمال الشمس تطلع وفي جمالها تغرب، وفي جمال الأشكال والألوان، وفي هندسة المحار، وكما كان العالم كله معقولاً يجاوب عقل الإنسان ففيه من الجمال الأخاذ ما يجاوب شعور للفنان، فإذا رق شعور المرء اهتز قلبه للصباح الباكر الجميل وجوه وأرضه وهوائه، وتشربته في لذة كما تلذ الماء البارد على ظمأ، وخفق للبحر وأمواجه وحركاته كأنه يجري في عروقه، وراعته السَّماء ونجومها، وطربت من نغمات العالم فاهتز قلبك فأخذ يناغمها، وأحببت العالم وما فيه لأنه مصدر هذا الجمال الَّذي يبهرك فقد أصبح العالم بهذا وذاك، وبروحانيته العقليَّة، وبروحانيته الفنِّيه بمثابة كتاب مفتوح للبشر كافة، لا فرق بين متعلم وغيره، قد يستفيد منه الأمي، ما لا يستفيد منه المتعلم فالأمر يتوقف على الاستعداد وحسن التذوُّق وحسن التوجيه، وقد يستفيد إنسان من نظرة في حجر أو زهرة أو شجرة أو ثمرة، ما لا يستفيد من معلم أو كتاب، ليست الحياة أن تأكل وتشرب وتتزوج، بل إن للحياة غرضاً أسمى.
الحياة رسالة، وليست الحياة عملاً مادياً متواصلاً، وليست عملاً عقلياً بحتاً، ولا جهداً فكرياً فالعقل وحده لا يفسر الحياة ولا يحل المشاكل، حيث إن العقل وحده يجعل الحياة جافة مخيفة، واحياناً يصل العقل إلى درجة النبوغ مع انحلال في الخلق فالعالم اليوم لا يحتاج إلى إصلاح المادَّة، ولكن يحتاج إلى إصلاح الروح.
إن العالم محتاج إلى مصالحة بين العلم والدِّين وإذا تم هذا الأمر ساد العالم عقلاً سليماً برقيه العلم، وعاطفة نبيلة برقها الدين وإن تم هذا الأمر فلا شقاق ولا نزاع لأن العاطفة النبيلة تمنعها، والأخوَّة الإنسانيَّة تحرمها والعقل البشري لا يستسيغها.
إن تم ذلك فلا خرافات حول الدين العظيم، لأن العقل السليم لا يرتضيها ولا الدين الصحيح فلو تمت هذه الأمور سابقة الذكر لزالت كل العوائق التي تعوق الإنسانيَّة، وتقدم العالم في كل عام.