د. أحمد محمود الخضري
تمتلك لغتنا العربية من العوامل والوسائل ما يضمن لها النمو والتطور والتوسع في الاستخدام، فكثرت مادتها كثرة لم تحظ بها لغة من اللغات البشرية، وتعددت معانيها تلبية لحاجات المتحدثين بها، وتنوَّعت أساليبها تنوعاً يتفق ومقاصد الناطقين بها، والدليل على ذلك أن معجم تاج العروس للعلامة الزبيدي (ت 1205هـ) قد ضم بين دفتيه نحو مائة وعشرين ألف مادة لغوية، هذا إلى جانب التفريعات التي تتفرع عن كل مادة.
وقد عرف للغة عوامل أو طرق متعددة تؤدى إلى نموها، وتساعد على زيادة الثروة اللفظية لها وتحقق مرونتها واتساعها، ومنها ما يعرف في الدرس اللغوي بالنحت، وهو كما عرفه بعض اللغويين القدامى مثل: ابن فارس (ت395هـ) -والذي يعد إمام القائلين به قديما- في مقاييسه [1/328] فقال: «وَمَعْنَى النَّحْتِ أَنْ تُؤْخَذَ كَلِمَتَانِ وَتُنْحَتَ مِنْهُمَا كَلِمَةٌ تَكُونُ آخِذَةً مِنْهُمَا جَمِيعًا بِحَظٍّ».
وعند بعض اللغويين المحدثين يعد النحت ظاهرة لغوية لجأت إليه العربية قديما وحديثا وهو عبارة عن: أخذ كلمة مثل (سبحل) من كلمتين وهما (سبحان الله) أو أكثر نحو (حيعل) من (حي على الفلاح) على سبيل الاختزال والاختصار مع مراعاة المناسبة بين المأخوذ والمأخوذ منه في اللفظ والمعنى معا، وبعبارة موجزة هو: صياغة كلمة جديدة من كلمتين فأكثر، تدل على المعنى باختصار
وقد جاء النحت في لغة العرب على أربعة أقسام:
النحت الفعلي مثل: بَسْمَلَ إذا قال: بسم الله الرحمن الرحيم.
النحت الإسمي مثل: عَقَايِبْلُ ومعناها: بقَايَا العِلَّة أو المرض في الجسد وأصله من (عُقْبَي) و(عِلَّة)
النحت الوصفي مثل: الضِّبَطْرُ وهو: الشديد الضخم، وأصله من (ضَبَطَ) و(ضَبَرَ)
النحت النسبي مثل: عَبْشَمِيّ فهو منحوته من عَبْدِ شَمْس. [الاشتقاق والتعريب: المغربي، ص21 - 23].
وبمطالعة بعض المصادر اللغوية والمعجمات التراثية يظهر لنا أن العربية الفصحي قد ذخرت بالعديد من الألفاظ المنحوتة، والتي وردت بين طيات الكثر من المصنفات المعجمية القديمة كالعين للخليل بن أحمد (ت175هـ) وجمهرة اللغة لابن دريد(ت321هـ) والمحكم والمحيط الأعظم لابن سيدة(ت458هـ) ولسان العرب لابن منظور(ت711هـ) وغيرها.
ولم تكن اللهجات العامية على اختلافها وتنوعها بمنأى من تلك الظاهرة، فالفصحي ما هي إلا مجموعة من اللهجات، واللهجة كيان من كيانات العربية الفصحى، أو كما يرى البعض أن اللهجات العامية ما هي إلا انحراف عن الفصحى، فالعربية العامية كما يقول صاحب معجم عطية في العامي والدخيل: «هي الألفاظ التي تناولها العامة وشوهوها تحريفا وتصحيفا حتى ضاعت أصولها الفصيحة» [ص 6].
ومن اللهجات العامية المعاصرة التي تعد مثالاً بارزاً لشيوع ظاهرة النحت فيها اللهجة المصرية، فقد ضربت تلك الظاهرة بسهم وافر في الاستعمال اللغوي اليومي للمصريين، بوصفها وسيلة هامة لتبسيط العبارات المتداولة واختصارها، وإنتاج صيغ جديدة تتفق ومتطلبات الحياة المعاصرة فهي من أكثر اللهجات العربية ذيوعاً واستخداماً للنحت؛ بسبب مرونتها العالية وتأثرها بتراكمات حضارية ولغوية ممتدة.
ومن أشهر الكلمات المنحوتة في اللهجة المصرية -على سبيل المثال لا الحصر- ما يأتي:
الأعداد مثل: إحداشر، اطناشر، طلطاشر أصلها: إحدى عشر، واثنا عشر، وثلاث عشر.
الأسماء المركبه مثل: عبعظيم، عبرحمن، عبصمد أصلها: عبدالعظيم، وعبدالرحمن، وعبدالصمد..
سَلْخِيْر: أصلها مَسَاءُ الخَير
رِسْمَال: أصلها رَأْسُ مَال
بَعْدِين: أصلها بَعْدَ أَنْ
الدَّلْعَدِي: أصلها الدُّعَاءْ للعِدَى
عُقْبَال: أصلها العُقْبَى لكذا
غِرْشِيِّ: أصلها غَيْر شَيء
مَلِيْش: أصلها ليسَ لي شيء
لَخْبَط: أصلها خَلَطَ الشيء وخَبَطَهُ
شُوْبَشْ: أصلها شَيء بِشَيٍء
الدَّعْبَرة: أصلها الدعاء برًّا، أي ليكن بعيداً عنَّا
حِلِّيني: كلمة تقال فيما يستبعد وقوعه. أصلها من حِيْنٍ لحِينْ
عَامْنَوِّل: أصلها عَامنا الأَوَّل
أَنْهُو، أَنْهِي: أصلها أينَ هُوَ أو هي؟
كَمَانِي: أصلها كَمَا أَنَّ
بَلَاش: أصلها بلا شيء
لِسَّه: أصلها لهذه الساعة
مَعَلِشّ: أصلها مَا عليكَ شيءٌ.
** **
عضو هيئة تدريس بقسم أصول اللغة - جامعة الأزهر