حاوره - وائل العتيبي:
على امتداد أكثر من أربعة عقود، ظل طارق الشناوي أحد أكثر الأصوات تأثيرًا في النقد السينمائي العربي، محتفظًا بمكانته كناقدٍ صريح لا يساوم على استقلالية رأيه، وكاتبٍ يرى أن وظيفة النقد ليست إرضاء الفنان، بل الانحياز للحقيقة الفنية. وبين الصحافة والكتب ولجان التحكيم في أبرز المهرجانات العربية والدولية، أسهم في تشكيل الوعي السينمائي العربي، وواكب تحولات الفن من موقع المراقب والفاعل في آنٍ واحد.
وفي هذا الحوار مع «الجزيرة»، يقدِّم الشناوي قراءة عميقة للمشهد السينمائي السعودي، مؤكدًا أن المملكة تعيش نهضة سينمائية حقيقية صنعتها إرادة الدولة وطموح المبدعين، وأن الجمهور السعودي بات يقبل على الفيلم المحلي لأنه يرى نفسه وقضاياه وثقافته على الشاشة. كما يتناول مستقبل النقد في عصر المنصات الرقمية، ويحسم الجدل حول «نقاد السوشال ميديا»، ويتحدث عن حدود العلاقة بين الناقد والفنان، والأمانة المهنية، ومساحة الحرية التي يرى أنها الوقود الحقيقي لازدهار الإبداع.
السوشال ميديا لم تصنع نقادًا جدداً.. بل غيّرت أدوات النقد
* كيف تنظر إلى ظاهرة «نقاد السوشال ميديا»؟
- لا يمكن إصدار حكم واحد على نقاد منصات التواصل الاجتماعي؛ فهم، كسائر النقاد، أطياف متعددة: فيهم الناقد الجاد، والمجتهد، والرديء، والمدّعي، ومن يقتات على أفكار الآخرين وينسبها إلى نفسه. وهذه الظواهر ليست حكرًا على السوشال ميديا، بل نجدها أيضًا لدى نقاد الصحف والمنصات الإعلامية التقليدية.
ولم تُنتج منصات التواصل نوعًا جديدًا من النقد بقدر ما غيّرت أدواته ووسائطه. فقد أتاحت مساحة أوسع للوصول إلى الجمهور، ومنحت الناقد وسائل أكثر تأثيرًا، أبرزها توظيف المادة المرئية واللقطات المصورة والتعليق المباشر عليها، وهو ما أضفى على الخطاب النقدي بعدًا بصريًا وتفاعليًا عزَّز من حضوره وسرعة انتشاره.
لا أحد يسحب البساط من الناقد الحقيقي
* وهل سحبوا البساط من النقاد التقليديين؟
- لا أحد يسحب البساط من الناقد الحقيقي؛ فالنقد ليس حكرًا على وسيط بعينه، بل هو رؤية تتجلَّى في الكلمة والصورة والصوت. ولئلا يصبح الناقد خارج إيقاع عصره، عليه أن يطوِّر أدواته، ويواكب تحولاته، ويجدِّد لغته ومفرداته، فجوهر النقد لا يتغيَّر، لكن وسائله تتطور باستمرار.
أتعمد نسيان الهجوم حتى لا أفقد حيادي
* ما أقسى هجوم تعرضت له؟ وكيف أثر عليك؟
- قد تتجاوز بعض الكتابات على منصات التواصل حدود النقد إلى الهجوم الشخصي، لكنني أتعمد إسقاطها من ذاكرتي حتى لا تؤثر في حيادي وموضوعيتي، خاصة أنني أمارس المهنة وأعمل في قلب المشهد. لذلك أحرص على ألا أحمل تلك المواقف معي، وإن كنت قد تعرضت، بلا شك، لمثل هذا الهجوم.
الكاتب يخسر كل شيء عندما يفقد صوته
* لو عاد بك الزمن، هل كنت ستختار الأسلوب نفسه؟
- لن أكون إلا نفسي، منذ أكثر من ثلاثين عامًا، كان يُقال لي: خفف من حدة نقدك، بينما كانت المشكلة أن الصراحة كانت تُفهم على أنها قسوة.
جربت مرة أن أكتب كما يريد الآخرون، فكان ذلك المقال الوحيد الذي استبعدته من أرشيفي، لأنني شعرت أن كاتبه شخص آخر. ومنذ ذلك اليوم أدركت أن الكاتب لا يخسر شيئًا أكثر من خسارته لصوته. لذلك أقول لكل كاتب: كن نفسك، فالأسلوب هوية، وليس مجرد طريقة في الكتابة.
النقد لا يجرح.. ولا يطارد من غادر المشهد
* هل لديك خطوط حمراء في النقد؟
- أنا ضد التجريح، وضد أي كلمة تنتقص من كرامة الآخرين، حتى وإن لم تكن مخالفة للقانون، فهناك ما ترفضه الذائقة قبل أن يرفضه القانون.
كما أنني لا أرى قيمة في مهاجمة فنان يعيش مرحلة أفول أو غاب عن المشهد؛ فالإنصاف يقتضي تجاهله لا النيل منه. النقد الحقيقي يوجَّه إلى التجارب الحاضرة والمؤثرة.
الأمانة المهنية لا تسقط بمرور الزمن
* هل هناك ملفات تعرفها ولم تكشفها؟
- شهدت مواقف كثيرة بنفسي، لكنها ما دامت خارج إطار الفن والإبداع، فإنها تبقى شأنًا شخصيًا لا يجوز استثماره أو تداوله.
هناك أسرار كثيرة آثرت الاحتفاظ بها، لأن من يفشي ما اؤتمن عليه بعد سنوات لا يكون أمينًا. ففي أحيان كثيرة تكون قريبًا من الفنان بوصفك صديقًا، لا صحفيًا أو ناقدًا. وحتى بعد رحيل الأشخاص، يبقى من حقك نقد أعمالهم، لا كشف أسرارهم.
الصداقة أكبر خصوم الحياد
* هل يخسر الناقد حياده عندما يقترب من الفنانين؟
- على الناقد أن يحذر من التورط في علاقات الصداقة، من دون أن يعزل نفسه عن الوسط الفني. أحضر الاجتماعات والعروض الخاصة والمهرجانات، لكنني لا أكون جزءًا من السهرات أو الدائرة الاجتماعية الضيقة؛ لأن الألفة تصنع انحيازًا، ولو من دون قصد.
ولهذا أستغرب تباهي بعض الصحفيين بعلاقاتهم الوثيقة مع النجوم؛ فما يعدونه مكسبًا اجتماعيًا قد يكون خصمًا من رصيدهم المهني.
السينما السعودية قالت للعالم: نحن هنا
* كيف تقرأ التحول السينمائي في المملكة؟
- أنا سعيد بما حققته السينما السعودية؛ ففي سنوات قليلة استطاعت أن تعلن حضورها بوضوح. ولم يكن ذلك ليتحقق لولا الإرادة السياسية التي فتحت الباب أمام صناعة السينما، ووسعت مساحة النقاش، ومنحت صناع الأفلام هامشًا أكبر لطرح قضايا اجتماعية لم يكن الاقتراب منها مألوفًا.
ومع خصوصية المجتمع الخليجي المحافظ، نجحت أفلام مثل «هوبال» و«أغنية الغراب» في الاقتراب من موضوعات حساسة بوعي وذكاء. وأرى أن مسؤولية السينمائي لا تقف عند حدود السقف المتاح، بل في توسيعه بالإبداع، لا بالصدام.
النهضة ليست عابرة.. بل مشروع ثقافي
* هل ما يحدث نهضة حقيقية؟
- بالتأكيد. ما نشهده اليوم نهضة حقيقية، ومن الطبيعي أن ترافق البدايات مساحة من التجريب والخروج عن المألوف. فكل صناعة جديدة تمر بمرحلة انتقالية قبل أن تستقر معاييرها.
والجميل في السعودية أن المشروع لا يقتصر على إنتاج الأفلام، بل يشمل مهرجانات منتظمة، مثل مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي ومهرجان أفلام السعودية، إلى جانب جمهور يتنامى، وإرادة دولة، وطموح مبدعين. وعندما تجتمع هذه العناصر، تصبح النهضة مشروعًا مستدامًا.
أقرأ للنقاد السعوديين.. لكنني لا أجامل
* كيف تقيّم النقد السينمائي السعودي؟
- تربطني بكثير من النقاد السعوديين علاقات ود واحترام، مثل أحمد العياد وخالد ربيع السيد وغيرهما. أقرأ لهم باهتمام، وقد نختلف في بعض الآراء، لكن الاختلاف يثري المشهد. أما في مهنتي، فلا مكان للمجاملة، لأن الناقد لا يحافظ على مصداقيته إلا إذا بقي وفيًا لقناعاته.
المخرجات السعوديات يصنعن
أحد أهم تحولات السينما
* ما أبرز نقاط القوة والتحديات في السينما السعودية؟
- لفت انتباهي أن عدد المخرجات السعوديات بات لافتًا، وهو مؤشر ثقافي واجتماعي مهم. فنجاح المرأة في الإخراج والفنون يؤكد أن المجتمع يتغير، وأن مساحة الحرية أصبحت قادرة على اكتشاف المواهب وتمكينها.
كما أن المتفرج السعودي تغيّر؛ فهو اليوم يدفع ثمن تذكرته عن قناعة، لأنه يرى نفسه وثقافته وتفاصيل حياته على الشاشة، وهذه إحدى أهم علامات نجاح أي سينما وطنية.
أما نقطة القوة الكبرى، فهي أن الدولة فتحت الباب أمام صناع السينما ومنحتهم فرصة حقيقية للانطلاق. ويبقى على المبدعين أن يواصلوا الابتكار، وأن يوسعوا حدود الحرية بالإبداع والمسؤولية، لأن الفن لا يتقدم إلا عندما تقترن الجرأة بالوعي.