باسم سلامة القليطي
أسدل كأس العالم ستاره، وانطفأت أضواء الملاعب، وعادت الجماهير إلى تفاصيل حياتها اليومية. لكن البطولة، كما في كل نسخة، لم تترك وراءها أهدافاً وكؤوساً وصوراً تذكارية فحسب، بل تركت أيضاً سؤالاً يستحق التأمل: كيف تستطيع كرة صغيرة أن تجمع مليارات البشر حول لحظة واحدة، وأن تجعل العالم، بكل اتساعه واختلافه، يبدو وكأنه يجلس في غرفة واحدة؟
قبل أن تُنفذ ركلة الجزاء الحاسمة بثوانٍ، يصبح العالم أكثر هدوءاً مما هو عليه عادة. تتوقف الأحاديث، وتُشد الأجساد إلى الأمام، وتتجه ملايين العيون إلى البقعة البيضاء. وللحظة قصيرة، يبدو كأن الأرض كلها تشاهد المشهد نفسه من زوايا مختلفة.
ثمة لحظات نادرة يبدو فيها العالم أقل اتساعاً مما اعتدنا أن نراه. لا لأن المسافات تتقلص، ولا لأن الخلافات تزول، بل لأن شيئاً ما ينجح في جمع البشر حول معنى مشترك، ولو إلى حين. ولعل مباريات كرة القدم الكبرى من أكثر تلك اللحظات قُدرة على صُنع هذا المشهد الإنساني الفريد.
ففي مساء واحد، وخلال تسعين دقيقة فقط، تتجه أنظار البشرية إلى شاشة واحدة. في مدينة مزدحمة في شرق آسيا، وقرية هادئة في إفريقيا، وشقة صغيرة في أوروبا، ومقهى شعبي في أمريكا اللاتينية، يجلس أناس لا يعرف بعضهم بعضاً، ولا يتحدثون اللغة نفسها، ولا يدينون بالدين نفسه، لكنهم يتابعون الحدث ذاته، ويحبسون أنفاسهم عند الفرصة الضائعة، ويقفزون فرحاً للهدف، أو يضعون أيديهم على رؤوسهم حسرة على كرة مرّت بمحاذاة القائم.
السياسة، منذ قرون، تُعيد رسم الحدود، وتُنتج الاصطفافات، وتُذكّر الشعوب بما يفرقها من مصالح وتاريخ وذاكرة. أما الرياضة فتمارس دوراً مختلفاً؛ فهي لا تُلغي الاختلافات، لكنها تؤجلها قليلاً، وتمنح الناس فرصة للنظر إلى ما يجمعهم. في الملعب لا تُسأل الجماهير عن مواقفها الفكرية، ولا عن أعراقها، ولا عن مستوى دخلها، بل يكفي أن تتشارك الانفعال نفسه حتى تصبح جزءاً من جمهور واحد.
وما يثير الدهشة أن المجتمعات، التي لم تنجح في الاتفاق على كثير من القضايا الكبرى، تنجح في هذه اللعبة البسيطة في أن تتقاسم المعنى ذاته. فصفارة البداية توقظ الترقُب في قلوب الملايين، والكرة التي تعانق الشباك تطلق الفرح نفسه في وجوه لا تعرف بعضها بعضاً. كأن كرة القدم استطاعت أن تصنع لغة لا تُكتب بالحروف، بل تُقرأ بالعيون، وتُفهم بالخفقان الذي يسبق الهدف بثوانٍ قليلة.
ولعل أجمل ما في كرة القدم أنها لا تحتاج إلى ترجمة. فالطفل الذي يركض خلف الكرة في أحد أحياء المدينة المنورة، يفهم مشاعر المشجع العجوز في بوينس آيرس، ويدرك معنى الفرح الذي يملأ وجوه الأطفال في الدار البيضاء أو طوكيو. فالابتسامة بعد الفوز، والدمعة بعد الخسارة، والانفعال أمام لحظة حاسمة، لغة إنسانية لا تحتاج إلى قاموس.
ولا يعني هذا أن المستطيل الأخضر مبرأ من التعصب أو التوتر؛ فالرياضة، كأي نشاط بشري، تحمل أحياناً وجهاً قاتماً. لكنها، رغم ذلك، تظل من المساحات الشحيحة التي تسمح لمليارات الأشخاص بأن يعيشوا اللحظة نفسها، وأن يتبادلوا المشاعر ذاتها، دون أن يعرف أحدهم اسم الآخر أو موطنه.
وبعض اللحظات الرياضية تعيش في ذاكرة البشر كما تعيش الأغنيات القديمة؛ تستدعيها الوجوه بابتسامة، أو تستعيدها بتنهيدة خافتة. فما يبقى في الذاكرة ليس دائماً ما غيّر خرائط العالم، بل ما مسَّ القلوب وشارك الناس أفراحهم وأحزانهم. لذلك نتذكر لاعباً ارتمى على العشب باكياً بعد صافرة النهاية، أو منتخباً صغيراً تحدّى التوقعات ومنح شعبه فرحة انتظرها طويلاً، بينما تمضي أحداث كثيرة، كانت يوماً تتصدر العناوين، إلى هدوء الأرشيف.
والهبة الأكبر التي تمنحها الرياضة للبشر أنها تذكّرهم، ولو لبرهة، بأنهم ينتمون إلى المصير الإنساني نفسه. فخارج الملعب يحمل كل إنسان اسمه، وجنسيته، ولغته، وذاكرته الخاصة، أما أمام الشاشة في لحظة حاسمة، فلا يبقى إلا قلب يخفق انتظاراً، وعين تترقب، وابتسامة تستعد للانطلاق، أو دمعة تتأهب للسقوط. وفي تلك اللحظة العابرة، يبدو كوكبنا أقل وحشة، وأقرب إلى بيت واسع أضاءت نوافذه كلها في الوقت نفسه.
إن العالم الذي يبدو في نشرات الأخبار موزعاً بين الحروب والخلافات والمصالح المتعارضة، يستطيع أحياناً أن ينسى كل ذلك لتسعين دقيقة فقط. تسعين دقيقة لا تُنهي نزاعاً، ولا تُوقّع مُعاهدة، لكنها تمنح البشر فرصة نادرة ليتذكروا أنهم، قبل كل شيء، قادرون على أن يفرحوا معاً، ويحزنوا معاً، وينتظروا الكرة نفسها وهي تبحث عن طريقها إلى الشباك.