محمد حسن فايد
ثمة مدن لا تدخل كتب التاريخ من أبواب القصور أو ساحات الانتصارات، بل تدخلها من الأزقة الضيقة التي تختزن حكايات الناس العاديين. هناك، حيث يتجاور الفقر مع الكرامة، وتتراكم الأحلام الصغيرة فوق أرصفة أنهكها العمل، يولد الأدب القادر على البقاء.
الكاتب الحقيقي لا يبحث عن الأبطال في مواكب القادة، فهو يعثر عليهم في البيوت التي أنهكتها الحياة، وفي الوجوه التي أخفت دموعها سنوات طويلة. من هذه البيئة خرج الروائي الاسكتلندي دوغلاس ستيوارت، حاملاً ذاكرة مدينة صنعت منه كاتباً قبل أن يصنع منها رواياته.
ثمة مدن لا تدخل كتب التاريخ من عندما أُعلن فوز روايته الأولى «شوجي باين» بجائزة البوكر عام 2020، تخيل كثيرون أنهم أمام موهبة ظهرت فجأة، غير أن الحقيقة كانت مختلفة تماماً. خلف ذلك النجاح سنوات طويلة من الصبر، والعمل الصامت، والإيمان بقصة رفض عشرات الناشرين نشرها. جاء التكريم ليؤكد حقيقة يعرفها الأدب منذ زمن بعيد؛ الحكاية الصادقة تجد طريقها إلى القارئ مهما طال انتظارها.
ولد دوغلاس ستيوارت في الحادي والثلاثين من مايو عام 1976 في حي سايث هيل بمدينة غلاسكو، خلال مرحلة عصيبة من تاريخ اسكتلندا. كانت المدينة التي ازدهرت بالصناعة الثقيلة تواجه تحولات اقتصادية قاسية بعد إغلاق المصانع وتراجع فرص العمل. آلاف الأسر فقدت مصدر رزقها، وتحولت الأحياء العمالية إلى فضاءات يسيطر عليها القلق، بينما صار الإدمان واحداً من أكثر الوجوه قسوة في تلك المرحلة.
وسط هذا المشهد تشكل وعي الطفل الصغير. غادر الأب الأسرة في سنوات مبكرة، فوجدت الأم نفسها أمام مسؤولية الحياة كاملة، تحمل هم الأبناء، وتحاول مقاومة واقع يفوق قدرتها على الاحتمال. كانت امرأة محبة للحياة، تمتلك حضوراً لافتاً، غير أن الهزائم اليومية تراكمت فوق كتفيها حتى أصبحت الكحول جزءاً من معركتها مع العالم.
رحلت الأم عندما بلغ ستيوارت السادسة عشرة من عمره، تاركة في نفسه فراغاً ظل مفتوحاً أعواماً طويلة. ذلك الفقد تحول مع الزمن إلى المصدر الأعمق لخياله الروائي. صار يكتب بحثاً عن تفسير لطفولته، ومحاولة لفهم المرأة التي أحبها رغم كل ما عاشته من انكسارات. تحولت الكتابة إلى وسيلة للمصالحة مع الذاكرة، وإلى مساحة يستطيع فيها أن يمنح والدته الحياة التي حرمها منها الواقع.
في سنوات الدراسة أحب الأدب، ورأى في الكتب نافذة تقوده إلى عالم أوسع من حدود الحي الشعبي الذي نشأ فيه. كان يتمنى دراسة الأدب الإنجليزي، غير أن نصيحة أحد معلميه دفعته إلى طريق مختلف، إذ رأى أن مستقبله سيكون أكثر استقراراً في مجال عملي. التحق بدراسة المنسوجات، ثم واصل تعليمه في الكلية الملكية للفنون في لندن، قبل أن ينتقل إلى نيويورك في مطلع شبابه.
هناك بدأ فصل جديد من حياته. عمل في تصميم الأزياء مع مؤسسات عالمية مثل كالفن كلاين ورالف لورين، وحقق نجاحاً مهنياً كبيراً، غير أن غلاسكو بقيت حاضرة في وجدانه. كان يقضي نهاره بين الأقمشة وعروض الأزياء، ثم يستيقظ قبل الفجر ليكتب عن مدينة تركها خلفه، كأن المسافة منحت ذاكرته قدرة أكبر على التقاط التفاصيل.
أدرك ستيوارت مع مرور الوقت أن النجاح المهني منح حياته استقراراً، بينما بقيت روحه معلقة بالمكان الأول. ظل يستعيد البيوت القديمة، ورائحة المطر، وأصوات الجيران، والمصانع التي أغلقت أبوابها، والرجال الذين سرقت البطالة ثقتهم بأنفسهم. شعر أن تلك الوجوه تستحق مكاناً في الأدب، وأن أحداً لم يمنحها المساحة التي تستحقها في الرواية المعاصرة.
من هنا بدأت غلاسكو تتحول في أعماله إلى شخصية كاملة. الشوارع، والحانات، والبيوت الشعبية، وخطوط القطارات، والمصانع المهجورة، جميعها تتحرك داخل السرد بروح حية، حتى يشعر القارئ أن المدينة تشارك أبطالها أفراحهم وخسائرهم. المكان عند ستيوارت لا يؤدي دور الخلفية، فهو عنصر فاعل في تشكيل المصائر، يضغط على الإنسان، ويختبر قدرته على الصمود، ويطبع روحه بطابعه الخاص.
استغرقت كتابة «شوجي باين» سنوات من العمل المتواصل. كتبها في الساعات الأولى من الصباح قبل الذهاب إلى عمله، ثم بدأ رحلة البحث عن ناشر. عاد المخطوط إليه مرفوضاً أكثر من أربعين مرة، فاعتقد كثيرون أن رواية تدور حول أسرة فقيرة في غلاسكو لن تجد جمهوراً واسعاً. جاءت الأيام لتثبت العكس، فتحولت الرواية إلى حدث أدبي عالمي، وفازت بجائزة البوكر، ثم تُرجمت إلى عشرات اللغات، ووصلت إلى قراء وجدوا في شخصياتها شيئاً يشبه حكاياتهم، مهما ابتعدت أوطانهم عن اسكتلندا.
في قلب الرواية يقف الطفل شوجي، يعيش مع والدته أغنيس التي ينهكها الإدمان، ويحاول بكل ما يملك من براءة أن يحميها من السقوط. يغسل المنزل، ويرتب الفوضى، ويخفي آثار الكحول، ويتمسك بصورة الأم التي عرفها في طفولته. تتبدل الأدوار داخل البيت، فيصبح الابن مصدر الرعاية، بينما تبحث الأم عن يد تنتشلها من عتمة تتسع يوماً بعد يوم.
تكمن فرادة الرواية في قدرتها على تقديم شخصيات من لحم ودم. أغنيس إنسانة تحمل داخلها الجمال والانكسار معاً، تشتاق إلى حياة أكثر رحمة، ثم تعجز عن الإفلات من دوامة الإدمان. أما شوجي فيواصل التمسك بأمه، لأن الحب عنده غريزة أعمق من الألم. ومن خلال هذه العلاقة يرسم ستيوارت واحدة من أكثر صور الأمومة تأثيراً في الأدب الحديث، حيث تمتزج الرحمة بالعجز، ويصبح الأمل فعلاً يومياً يقاوم الهزيمة.
خلف هذه القصة تمتد صورة مجتمع كامل يعيش آثار التحولات الاقتصادية. الفقر عند ستيوارت قوة تغير الإنسان من الداخل؛ تغير أحلامه، ولغته، ونظرته إلى نفسه، وتجعل الشتاء أطول، والطعام أقل، والمستقبل أكثر غموضاً. لهذا جاءت روايته شهادة إنسانية على مرحلة صنعت جراحاً ما زالت حاضرة في الذاكرة الاسكتلندية، ورسخت اسم دوغلاس ستيوارت واحداً من أهم الأصوات التي أعادت الإنسان العادي إلى قلب الأدب العالمي.
جاءت رواية «يونغ مونغو» عام 2022 لتؤكد أن النجاح الذي حققته «شوجي باين» لم يكن وليد المصادفة. عاد دوغلاس ستيوارت إلى غلاسكو مرة أخرى، فهو يعرف أن المدينة ما زالت تخفي عشرات الحكايات التي تنتظر من ينصت إليها. غير أن العودة هذه المرة حملت أسئلة جديدة تتعلق بالهوية، ومعنى الرجولة، والانقسام الديني، والبحث عن الحب داخل مجتمع يضيق بكل اختلاف. تدور الرواية حول مونغو، الفتى البروتستانتي الذي يقع في حب جيمس، الشاب الكاثوليكي. تبدو القصة في ظاهرها حكاية حب، غير أنها سرعان ما تتحول إلى رحلة شاقة داخل مجتمع تحكمه حساسيات تاريخية متجذرة. يكبر الشابان في أحياء ما زالت الانقسامات المذهبية ترسم حدود العلاقات بين الناس، فيكتشفان أن الطريق إلى حياة طبيعية يحتاج إلى شجاعة تفوق عمرهما.
يرسم ستيوارت شخصياته بهدوء شديد. يتركها تتحدث بلغتها اليومية، وتتحرك وفق إيقاع حياتها الطبيعي، فتولد المأساة من التفاصيل الصغيرة أكثر مما تولد من الأحداث الصاخبة. يلتقي مونغو وجيمس في أماكن بعيدة عن الأنظار، ويتبادلان أحلاماً بسيطة؛ بيت هادئ، ومستقبل يخلو من الخوف، وحياة تسمح لكل إنسان أن يكون نفسه. غير أن الواقع يفرض قوانينه القاسية، فتتحول تلك الأحلام إلى اختبار دائم لقدرة القلب على الصمود.
تعود قضية الرجولة لتحتل مساحة واسعة في الرواية. يكبر الفتيان وسط ثقافة ترى العنف دليلاً على القوة، وترى الصمت عنواناً للصلابة، فتختفي المشاعر خلف أقنعة خشنة يصنعها المجتمع. يوضح ستيوارت كيف يمكن لهذه الصورة أن تدمر الإنسان من الداخل، حين يجد نفسه مطالباً بأداء دور لا يشبه طبيعته. هنا تتجاوز الرواية حدود المكان، لأن هذا السؤال يخص مجتمعات كثيرة عرفت القوالب الجامدة نفسها.
أسرة مونغو تمثل صورة أخرى للعالم الذي يكتب عنه ستيوارت. الأم غارقة في الإدمان، والأخ الأكبر يعيش وسط العنف، والبيت يفتقد الأمان الذي يحتاج إليه الأبناء. يحاول الفتى أن يصنع لنفسه مساحة يتنفس فيها، فيكتشف أن الحب يمنحه ذلك الشعور النادر، ثم يكتشف أيضاً أن المجتمع ينظر إلى هذا الحب بوصفه تهديداً للنظام الذي اعتاد عليه.
تكشف الرواية أن الانقسام بين البروتستانت والكاثوليك تجاوز حدوده الدينية منذ زمن بعيد، وأصبح جزءاً من الحياة اليومية، حتى صار الاسم وحده كافياً ليرسم صورة الإنسان في أذهان الآخرين. يستخدم ستيوارت هذا الواقع ليطرح سؤالاً أوسع عن قدرة البشر على التحرر من التصنيفات التي يولدون داخلها من غير اختيار.
ومع هذه الرواية يزداد نضج أسلوبه الفني. التفاصيل الصغيرة تكتسب قيمة كبيرة، والحوار يحمل إيقاع أهل غلاسكو الحقيقي، واللغة تمضي في هدوء يترك أثراً عميقاً في نفس القارئ. لا يعتمد الكاتب على المفاجآت، فهو يعرف أن أكثر المآسي إيلاماً تنمو في صمت، وأن الحياة اليومية تخفي من الدراما ما يفوق كثيراً أحداث الروايات الصاخبة.
في ربيع عام 2026 أصدر ستيوارت روايته الثالثة «جون أوف جون»، فانتقلت الأحداث من شوارع غلاسكو إلى جزر الهبريدس الخارجية، حيث البحر الواسع، والقرى الصغيرة، والطبيعة التي تبدو ساكنة من بعيد. تبدو هذه النقلة خروجاً من عالمه الأول، غير أن القارئ يكتشف سريعاً أن الكاتب ما زال يلاحق القضايا نفسها، مع اختلاف البيئة والوجوه.
يتابع العمل رحلة كالوم ماكلاود، طالب الفنون الذي يعود إلى جزيرة هاريس بعد استدعاء والده جون، المزارع والشماس المعروف بصرامته. يصل الابن وهو يحمل سنوات من الغياب والأسئلة، فيجد أن البيت القديم ما زال يحتفظ بصمته، وأن العلاقة مع والده تحتاج إلى أكثر من الكلمات كي تستعيد دفئها.
يتناول ستيوارت هنا العلاقة بين الأب والابن من زاوية إنسانية عميقة. فالأب يخفي ماضياً ثقيلاً خلف ملامح هادئة، والابن يحمل داخله حياة كاملة يصعب الإفصاح عنها. تتكشف الأسرار ببطء، فتتحول الرواية إلى رحلة داخل النفس البشرية، تكشف أن أكثر البشر صمتاً يحملون أكثر القصص وجعاً.
تحضر الكنيسة والتقاليد المحلية واللغة الغيلية بوصفها عناصر تصوغ هوية الجزيرة، ويمنح الكاتب الطبيعة حضوراً لافتاً، فتشارك الرياح والبحر والحقول في بناء الحالة النفسية للشخصيات. المكان هنا يؤدي الدور نفسه الذي أدته غلاسكو في أعماله السابقة، فهو يترك بصمته على الإنسان، ويشارك في صناعة مصيره.
تجمع الروايات الثلاث خيطاً واحداً يمتد من بدايتها إلى نهايتها. الإنسان العادي يحتل مركز المشهد، والفقر يفرض حضوره، والإدمان يترك آثاره في البيوت، والهوية تبقى سؤالاً مفتوحاً، والأسرة تحاول النجاة وسط عالم سريع التغير. هذه القضايا تظهر داخل حياة الشخصيات اليومية، فتكتسب صدقاً يجعل القارئ يشعر أنه يعرفها منذ زمن.
يملك دوغلاس ستيوارت قدرة لافتة على تحويل التفاصيل البسيطة إلى مفاتيح لفهم العالم الداخلي لأبطاله. نظرة عابرة، أو كرسي قديم، أو نافذة تطل على شارع خال، أو صوت قطار يمر في المساء، تصبح عناصر تحمل دلالات إنسانية واسعة. هذه الحساسية جعلت أعماله تبدو قريبة من القراء في أنحاء العالم، رغم خصوصية المكان الذي تنطلق منه.
لهذا تجاوزت رواياته حدود اسكتلندا، فترجمت إلى أكثر من أربعين لغة، ووجد فيها القراء صورة لمدنهم وتجاربهم الخاصة. رأى كثيرون أن غلاسكو التي كتب عنها تشبه مدناً صناعية في أوروبا وأمريكا وآسيا، كما وجد القارئ العربي أن قضايا الكرامة والأسرة والفقر والبحث عن الأمل تنتمي إلى التجربة الإنسانية المشتركة.
عندما نتأمل تجربة دوغلاس ستيوارت ندرك أن الأدب العظيم لا يحتاج إلى أبطال استثنائيين، فهو قادر على صنع رواية خالدة من بيت متواضع، أو شارع منسي، أو طفل يحاول إنقاذ أمه، أو شاب يبحث عن مكان يسمح له بأن يعيش كما يريد. هكذا خرجت الهوامش إلى قلب المشهد، وصارت أصوات الناس البسطاء جزءاً من الأدب العالمي، وصار دوغلاس ستيوارت شاهداً على زمن كامل، حمل ذاكرة مدينة جريحة، ثم منحها حياة جديدة بين دفتي كتاب.