د. يحيى جابر
سجلت المملكة العربية السعودية تنظيم أكثر من 7500 فعالية متنوعة، واستقطبت أكثر من 20 مليون زائر، وحققت ما يزيد على 100 مليون انطباع إعلامي، في مؤشر يعكس النمو المتسارع لقطاع الفعاليات ودوره في دعم الاقتصاد الوطني، وتعزيز السياحة، ورفع جودة الحياة، «المصدر: المركز الوطني للفعاليات، 2025».
وفي إطار تطوير الحوكمة، أقر مجلس الوزراء قواعد حوكمة إقامة الفعاليات لتوحيد إجراءات التخطيط والتنظيم والتنفيذ والتقييم، بما يشمل إدارة المخاطر، والسلامة، والأمن، وإدارة الحشود، والتسويق، وقياس الأثر، بما يرفع جودة الفعاليات ويعزز كفاءة الإنفاق، «المصدر - المركز الوطني للوثائق والمحفوظات، 2025».
ويستند هذا التنظيم إلى إنشاء المركز الوطني للفعاليات بقرار مجلس الوزراء الصادر في 10 مارس 2020، ليكون الجهة المختصة بتطوير قطاع الفعاليات، وإعداد السياسات والمعايير، وتنسيق أعمال الجهات الحكومية، وتمكين الاستثمار، ورفع جودة الخدمات في القطاع، «المصدر - المركز الوطني للفعاليات، 2020».
كما يعتمد قطاع الفعاليات العالمي على معيار آيزو 20121 لإدارة استدامة الفعاليات، وهو معيار دولي يركز على الحوكمة، وإدارة المخاطر، والاستدامة البيئية، وتعظيم الأثر الاقتصادي والاجتماعي للفعاليات، «المصدرـ المنظمة الدولية للتقييس «آيزو»، إصدار 2024».
تعرف إدارة الفعاليات النوعية بأنها عملية إدارية متكاملة تشمل التخطيط والتنظيم والتنفيذ والرقابة والتقييم، بهدف تحقيق تجربة نوعية للمشاركين، مع ضمان الاستخدام الأمثل للموارد، وإدارة المخاطر، وتحقيق العائد الاقتصادي والإعلامي والاجتماعي للفعالية، ويؤكد معيار آيزو 20121 أن نجاح الفعاليات يقاس بقدرتها على تحقيق الاستدامة الاقتصادية والبيئية والاجتماعية، وليس بعدد الحضور فقط، «المصدرـ المنظمة الدولية للتقييس «آيزو»، معيار آيزو 20121، إصدار 2024».
وفي المملكة العربية السعودية، أسهمت رؤية المملكة 2030 في تحويل قطاع الفعاليات إلى أحد القطاعات الاقتصادية الواعدة، من خلال استقطاب المؤتمرات الدولية، والمعارض المتخصصة، والبطولات الرياضية، والمهرجانات الثقافية، والمواسم السياحية، بما يعزز تنويع الاقتصاد ويرفع جودة الحياة، «المصدرـ رؤية المملكة 2030، التحديث الرسمي، 2025».
وتنص قواعد حوكمة إقامة الفعاليات على أن تنظيم أي فعالية يمر بعدة مراحل رئيسة تبدأ بتحديد الأهداف والفئات المستهدفة، ثم إعداد الخطة التشغيلية، وتقييم المخاطر، والحصول على التراخيص اللازمة، ووضع خطط الأمن والسلامة، وإدارة الحشود، وتجهيز البنية التقنية واللوجستية، وانتهاءً بقياس مؤشرات الأداء وإعداد التقرير الختامي للاستفادة من الدروس المستفادة في الفعاليات المستقبلية، «المصدرـ المركز الوطني للوثائق والمحفوظات، قواعد حوكمة إقامة الفعاليات، 2025».
وتشير أفضل الممارسات العالمية إلى أن التخطيط المبكر يمثل العامل الأكثر تأثيرًا في نجاح الفعالية، إذ توصي جمعية إدارة الفعاليات الدولية بوضع خطة زمنية تمتد من ستة أشهر إلى عام كامل للفعاليات الكبرى، تتضمن تحديد أصحاب المصلحة، وإعداد خطة الاتصال، وخطة الطوارئ، وإدارة المخاطر، وخطة الاستدامة، وآليات قياس رضا الزوار بعد انتهاء الفعالية، «المصدرـ جمعية إدارة الفعاليات الدولية، 2024».
كما تعتمد المؤسسات العالمية على مؤشرات أداء دقيقة لقياس نجاح الفعاليات، من أبرزها: نسبة رضا الزوار، وعدد الحضور الفعلي مقارنة بالمستهدف، والعائد على الاستثمار، والقيمة الإعلامية، وحجم التفاعل الرقمي، ومعدل الإنفاق لكل زائر، ونسبة الالتزام بالميزانية، وعدد فرص الشراكات والاستثمارات التي نتجت عن الفعالية. وتعد هذه المؤشرات أساسًا لاتخاذ القرارات وتحسين جودة الفعاليات المستقبلية، «المصدرـ المنظمة الدولية للتقييس «آيزو»، 2024، وجمعية إدارة الفعاليات الدولية، 2024».
أفضل الممارسات العالمية في إدارة الفعاليات النوعية
تجمع الأدلة المهنية الصادرة عن المنظمات الدولية على أن نجاح الفعاليات لا يتحقق بالاجتهاد الفردي، وإنما بالاعتماد على منظومة إدارية متكاملة تبدأ قبل موعد الفعالية بوقت كافٍ، وتستمر حتى مرحلة قياس الأثر بعد انتهائها. ويعد معيار آيزو 20121 المرجع الدولي الأبرز لإدارة الفعاليات المستدامة، إذ يركز على دمج مبادئ الحوكمة، والاستدامة، وإدارة المخاطر، وتحسين تجربة الزوار، وتقليل الأثر البيئي، وتعظيم العائد الاقتصادي والاجتماعي للفعالية، «المصدرـ المنظمة الدولية للتقييس «آيزو»، معيار آيزو 20121، إصدار 2024».
وتبدأ الممارسة الاحترافية بإعداد دراسة جدوى شاملة تحدد أهداف الفعالية، والفئات المستهدفة، والعائد المتوقع، والميزانية، والجدول الزمني، والشركاء، والجهات ذات العلاقة، ثم إعداد سجل للمخاطر يتضمن احتمالات الطوارئ وخطط الاستجابة، وهو إجراء أصبح من المتطلبات الأساسية في تنظيم المؤتمرات والمعارض والبطولات الدولية، «المصدرـ دليل إدارة الفعاليات، المنظمة الدولية للتقييس، 2024».
وتولي المؤسسات العالمية اهتمامًا كبيرًا بتجربة الزائر، حيث تعتمد على تصميم رحلة متكاملة تبدأ من التسجيل الإلكتروني، وسهولة الوصول إلى موقع الفعالية، وسرعة إجراءات الدخول، وجودة الإرشاد، وتوافر الخدمات الرقمية، وانتهاءً بقياس رضا المشاركين بعد الحدث. وتؤكد الدراسات أن تحسين تجربة الزائر يرفع معدلات العودة والمشاركة في النسخ اللاحقة، ويعزز السمعة المؤسسية للجهة المنظمة، «المصدرـ الرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات، 2024».
كما أصبحت التقنيات الرقمية عنصرًا رئيسًا في إدارة الفعاليات الحديثة، إذ تستخدم أنظمة التسجيل الذكية، والتذاكر الإلكترونية، وتقنيات التعرف على رموز الاستجابة السريعة، ولوحات المعلومات الفورية، والذكاء الاصطناعي لتحليل حركة الزوار وقياس كثافة الحشود، بما يسهم في رفع الكفاءة التشغيلية وتحسين مستوى السلامة، «المصدرـ الاتحاد العالمي لصناعة المعارض، 2024».
وفي جانب الاستدامة، تتجه الفعاليات العالمية إلى تقليل استهلاك الورق، واستخدام المواد القابلة لإعادة التدوير، وترشيد استهلاك الطاقة والمياه، وإدارة النفايات، وقياس البصمة الكربونية للفعالية، وهي ممارسات أصبحت معيارًا دوليًا في تنظيم الأحداث الكبرى مثل المعارض الدولية والمنتديات الاقتصادية والبطولات الرياضية العالمية، «المصدرـ برنامج الأمم المتحدة للبيئة، 2023، والمنظمة الدولية للتقييس «آيزو»، 2024».
وتشير التجارب الدولية إلى أن نجاح الفعالية لا يقاس بعدد الحضور فقط، بل بمجموعة من المؤشرات تشمل العائد الاقتصادي، والقيمة الإعلامية، ورضا الزوار، ومستوى رضا العارضين والرعاة، وعدد فرص الاستثمار التي نتجت عن الفعالية، إضافة إلى الأثر الاجتماعي والبيئي، وهو ما يجعل عملية التقييم الختامي جزءًا أساسيًا من دورة إدارة الفعاليات الاحترافية، «المصدرـ الرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات، 2024، والاتحاد العالمي لصناعة المعارض، 2024».
تجارب عالمية تؤكد أن الفعاليات استثمار اقتصادي وليس نشاطًا ترفيهيًا
أثبتت التجارب الدولية أن الفعاليات الكبرى أصبحت من أهم محركات النمو الاقتصادي، إذ تتنافس الدول على استقطاب المؤتمرات والمعارض والمنتديات العالمية لما تحققه من عوائد اقتصادية مباشرة وغير مباشرة، تشمل تنشيط السياحة، وزيادة إشغال الفنادق، وتحفيز النقل، ودعم تجارة التجزئة، واستقطاب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز الصورة الذهنية للدولة، وتعد الولايات المتحدة الأمريكية الدولة الأولى عالميًا في استضافة الاجتماعات والمؤتمرات الدولية خلال عام 2024 بعد استضافتها 709 اجتماعات دولية وفق تصنيف الرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات، تلتها إيطاليا بـ 635 اجتماعًا، ثم إسبانيا بـ536 اجتماعًا، وهو ما يعكس ارتباط قوة الاقتصاد بقدرة الدول على استقطاب الفعاليات الدولية، «المصدرـ الرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات ICCA، تقرير تصنيف الدول والمدن 2024، نُشر 2025».
وعلى مستوى المدن، جاءت فيينا في المركز الأول عالميًا خلال عام 2024 باستضافة 154 مؤتمرًا دوليًا، تلتها لشبونة بـ 153 مؤتمرًا، ثم سنغافورة بـ144 مؤتمرًا، بينما احتلت دبي المركز الأول عالميًا في متوسط عدد المشاركين في المؤتمر الواحد بمتوسط بلغ 899 مشاركًا، ما يعكس نجاحها في استقطاب الفعاليات ذات الحضور الكثيف والقيمة الاقتصادية المرتفعة، «المصدرـ الرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات، تقرير 2024، نُشر 2025».
وتبرز سنغافورة نموذجًا عالميًا في إدارة الفعاليات، حيث جاءت الأولى على مستوى مدن آسيا والمحيط الهادئ باستضافة 152 اجتماعًا دوليًا خلال عام 2024، مستفيدةً من تكامل البنية التحتية، والتحول الرقمي، وسهولة الإجراءات، والاستثمار في الكفاءات البشرية، وهي عوامل جعلتها من أكثر الوجهات تنافسية في صناعة الاجتماعات والمؤتمرات، «المصدرـ تقرير ICCA GlobeWatch 2024، نشر 2025».
وفي منطقة الشرق الأوسط، واصلت الإمارات العربية المتحدة تعزيز مكانتها الدولية، حيث تصدرت دول المنطقة في عدد الاجتماعات الدولية المعترف بها من الرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات خلال عام 2024، فيما حافظت دبي على ريادتها في استقطاب المؤتمرات ذات الحضور المرتفع، مستفيدة من منظومة متكاملة تضم البنية التحتية الحديثة، وسهولة الوصول، والخدمات اللوجستية المتقدمة، «المصدرـ تقرير اتجاهات صناعة الاجتماعات العالمية 2025، وتقرير ICCA 2024».
وتؤكد هذه النماذج أن الاستثمار في صناعة الفعاليات لا يقتصر على إنشاء مراكز المؤتمرات أو تنظيم المناسبات، بل يعتمد على بناء منظومة متكاملة تشمل التشريعات، والحوكمة، والبنية التحتية، والتقنيات الرقمية، وتأهيل الكفاءات، والشراكات مع القطاع الخاص، وقياس الأثر الاقتصادي والاجتماعي بصورة مستمرة، وهو النهج الذي تتبناه المملكة العربية السعودية ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030 لتصبح إحدى الوجهات العالمية الرائدة في صناعة الفعاليات.
مؤشرات قياس نجاح الفعاليات النوعية
تعتمد المؤسسات العالمية على مؤشرات أداء رئيسة لقياس نجاح الفعاليات، إذ لم يعد عدد الحضور وحده معيارًا كافيًا للحكم على نجاح الحدث، وتشمل هذه المؤشرات نسبة تحقيق الأهداف الإستراتيجية، والعائد على الاستثمار، ونسبة رضا الزوار والعارضين والرعاة، والقيمة الإعلامية، وحجم التفاعل عبر المنصات الرقمية، ومعدل الالتزام بالميزانية، وكفاءة إدارة المخاطر، إضافة إلى الأثر الاقتصادي والاجتماعي والبيئي الذي تتركه الفعالية بعد انتهائها، «المصدرـ المنظمة الدولية للتقييس «آيزو 20121»، 2024، والرابطة الدولية للمؤتمرات والاجتماعات، 2025».
وتؤكد الأدلة المهنية أن مرحلة ما بعد الفعالية لا تقل أهمية عن مرحلة التنفيذ، إذ يتم خلالها تحليل مؤشرات الأداء، وإعداد التقارير الختامية، وتوثيق الدروس المستفادة، وقياس رضا المشاركين، ومراجعة أداء الموردين والشركاء، بما يسهم في تحسين جودة الفعاليات المستقبلية ورفع كفاءة الإنفاق، «المصدر - معهد إدارة المشاريع، دليل إدارة المشاريع «الإصدار السابع»، 2021، ومعيار آيزو 20121، 2024».
مستقبل صناعة الفعاليات في المملكة
يمثل قطاع الفعاليات أحد القطاعات الواعدة ضمن مستهدفات رؤية المملكة 2030، إذ تسعى المملكة إلى أن تكون مركزًا عالميًا لاستضافة المؤتمرات والمعارض والمنتديات والبطولات الدولية، مستفيدةً من موقعها الجغرافي، وبنيتها التحتية المتطورة، ومشروعاتها العملاقة مثل نيوم، والبحر الأحمر، والقدية، وبوابة الدرعية، إلى جانب التوسع في مراكز المؤتمرات والمعارض، واستضافة الأحداث الرياضية والثقافية العالمية، «المصدرـ رؤية المملكة 2030، تحديث 2025، والمركز الوطني للفعاليات، 2025».
كما أسهمت قواعد حوكمة إقامة الفعاليات في رفع مستوى الاحترافية من خلال توحيد الإجراءات بين الجهات الحكومية، وتعزيز الامتثال، ورفع جودة الخدمات، وتحسين تجربة الزائر، وتفعيل إدارة المخاطر، وهي عناصر تشكل الأساس لبناء صناعة فعاليات مستدامة وقادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا، «المصدر - المركز الوطني للوثائق والمحفوظات، قواعد حوكمة إقامة الفعاليات، 2025».
أخيراً
تؤكد التجارب الدولية أن صناعة الفعاليات أصبحت أحد أهم محركات الاقتصاد المعرفي، وأداة مؤثرة في تعزيز المكانة الدولية للدول، وجذب الاستثمارات، وتنشيط السياحة، وتحفيز الابتكار. وقد قطعت المملكة العربية السعودية خطوات متقدمة في هذا المجال عبر تطوير الأنظمة والتشريعات، وإنشاء المركز الوطني للفعاليات، وإصدار قواعد الحوكمة، واستقطاب كبرى الفعاليات العالمية، بما يتوافق مع مستهدفات رؤية المملكة 2030، ومع استمرار الاستثمار في الكفاءات الوطنية، والتحول الرقمي، وتطبيق المعايير الدولية، وفي مقدمتها آيزو 20121، فإن المملكة تمتلك المقومات التي تؤهلها لتكون من أبرز المراكز العالمية في صناعة الفعاليات النوعية، ليس فقط من حيث عدد الفعاليات، بل من حيث جودة التنظيم، واستدامة الأثر، والقيمة الاقتصادية والاجتماعية التي تحققها هذه الصناعة للاقتصاد الوطني.