د. عيسى محمد العميري
إن قضية مكافحة الفساد تمثل اليوم إحدى الركائز الأساسية في مسيرة الإصلاح والتطوير في بلدنا الحبيب الكويت، وذلك لما لها من دور مباشر في حماية المال العام، وتعزيز كفاءة المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، ورفع مستوى الثقة بين المواطن وأجهزة الدولة. وخلال السنوات الأخيرة شهدت الكويت خطوات متسارعة لتعزيز منظومة النزاهة والشفافية، من خلال تطوير التشريعات، ودعم الأجهزة الرقابية، وتفعيل المساءلة القانونية بحق كل من يثبت تورطه في قضايا الفساد، بغض النظر عن موقعه أو منصبه. ومن جانب مهم فإن مكافحة الفساد تتوافق هذه الجهود بصورة واضحة مع رؤية الدولة التنموية «كويت جديدة 2035»، التي تضع بناء مؤسسات حكومية كفؤة وشفافة ضمن أولوياتها، باعتبار أن التنمية الاقتصادية والاستثمارية لا يمكن أن تتحقق دون بيئة قائمة على النزاهة والحوكمة الرشيدة.
كما أن إستراتيجية الكويت لتعزيز النزاهة ومكافحة الفساد جاءت لتدعم هذا التوجه، من خلال مبادرات تستهدف الوقاية من الفساد، ونشر ثقافة الشفافية، وتعزيز الرقابة والتعاون بين مختلف الجهات الحكومية. وفي الوقت ذاته، تنسجم مكافحة الفساد مع التوجهات التي أكد عليها حضرة صاحب السمو أمير البلاد الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، الذي شدد في أكثر من مناسبة على أهمية تطبيق القانون على الجميع، وصيانة المال العام، ومحاسبة كل من يعتدي على مقدرات الدولة، باعتبار أن الإصلاح الإداري والمالي يمثل أساساً لبناء دولة قوية قادرة على تحقيق تطلعات مواطنيها. كما أكدت الحكومة أن استعادة ثقة المواطنين بالمؤسسات تبدأ من مواجهة الفساد بكل حزم، وهو ما انعكس في العديد من الإجراءات الرقابية والإصلاحية. وعلى صعيد الأرقام فإن الكويت حققت تقدماً ملحوظاً في المؤشرات الدولية المرتبطة بالنزاهة. فقد حصلت على 46 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2023، وتقدمت إلى المرتبة 63 عالمياً من بين 180 دولة، بعدما كانت في المرتبة 77 في العام السابق، أي بتحسن بلغ 14 مركزاً خلال عام واحد. كما أشارت هيئة مكافحة الفساد «نزاهة» إلى أن الكويت حسنت ترتيبها بنحو 22 مركزاً منذ انطلاق إستراتيجية تعزيز النزاهة ومكافحة الفساد، وهو ما يعكس فاعلية الإجراءات الإصلاحية وتطور البيئة الرقابية في الدولة.
ورغم أن الطريق نحو القضاء الكامل على الفساد لا يزال يتطلب عملاً مستمراً، فإن المؤشرات الدولية تؤكد أن الكويت أصبحت ضمن الدول التي تحقق تقدماً واضحاً في مجال مكافحة الفساد وتعزيز الشفافية، وهو ما يعزز مكانتها الإقليمية والدولية، ويرسل رسائل إيجابية للمستثمرين وللمجتمع الدولي حول جدية الدولة في الإصلاح المؤسسي وترسيخ مبادئ الحوكمة الرشيدة.
وبالتالي فإن نجاح مكافحة الفساد لا يقتصر على إصدار القوانين، بل يعتمد أيضاً على تعاون المجتمع مع الجهات الرقابية، والإبلاغ عن أي تجاوزات، وترسيخ قيم الأمانة والنزاهة في مختلف القطاعات. وكلما ازدادت الشفافية والمساءلة، ازدادت قدرة الدولة على تحقيق التنمية المستدامة، ورفع كفاءة الإنفاق العام، وحماية حقوق الأجيال القادمة. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الكويت في تطوير منظومة مكافحة الفساد سيظل أحد أهم العوامل الداعمة لتحقيق أهداف رؤية «كويت جديدة 2035»، وبناء دولة عصرية تقوم على العدالة وسيادة القانون، وتوفر بيئة آمنة ومحفزة للنمو والاستثمار.
وفي هذا الصدد وما دمنا نتحدث عن محاربة الفساد في بلدي.. فإنه لابد من الإشارة إلى جهود وكيل الديوان الأميري الشيخ عبدالعزيز مشعل مبارك الصباح حفظه الله ورعاه. الذي لم يوفر جهداً في مكافحة الفساد وحماية المال العام. فسدد الله خطاه على هذا المسار. والله الموفق. اللهم احفظ خليجنا آمناً مطمئناً.
** **
- كاتب كويتي