مهدي آل عثمان
قد تستطيع الدول أن تبني الجيوش، وأن تعزِّز اقتصاداتها، وأن تنسج التحالفات، لكن هناك قوة لا تُشترى ولا تُصنع بقرار، وإنما تنمو في وجدان الشعوب، وهي قوة الالتفاف حول القيادة والوطن. وحين تصبح وحدة الشعب ثقافة راسخة، تتحول الجبهة الداخلية إلى خط الدفاع الأول، وإلى الرسالة الأقوى التي تدركها الدول قبل أن تقرأ البيانات السياسية أو تراقب التحركات العسكرية. ومن هنا تبدأ الهيبة الحقيقية للدول، لأنها تولد أولاً من الداخل، ثم يراها العالم في الخارج.
وفي منطقة تعيش على إيقاع الأزمات، وتتصارع فيها المشاريع الإقليمية والدولية، لم تعد الجغرافيا وحدها هي التي تحدد مكانة الدول، بل أصبحت قوة المجتمع وتماسكه جزءاً من معادلة النفوذ والتأثير. فالدول التي تنعم بجبهة داخلية متماسكة تمتلك قدرة أكبر على حماية مصالحها، وفرض حضورها، والتعامل مع التحديات بثقة واتزان.
وتقدم المملكة العربية السعودية اليوم نموذجاً راسخاً لهذه الحقيقة. فكلما مرت المنطقة بظروف استثنائية أو تصاعدت التوترات الإقليمية، ظهر الشعب السعودي أكثر تماسكاً، وأكثر التفافاً حول قيادته، وأكثر وعياً بأن أمن الوطن واستقراره مسؤولية جماعية. ولم يكن هذا التلاحم وليد ظرف سياسي عابر، بل هو امتداد لتاريخ طويل من الثقة المتبادلة بين القيادة والشعب، ومن الإيمان بأن قوة الدولة تبدأ من قوة جبهتها الداخلية.
وقد أثبتت التجارب أن الدول لا تُستهدف دائماً عبر حدودها، بل قد يبدأ استهدافها من الداخل، عبر الشائعات، والحروب الإعلامية، وحملات التضليل، ومحاولات بث الفرقة والتشكيك، وإضعاف الثقة بين المواطن ومؤسسات دولته. ولهذا أصبحت الجبهة الداخلية في العصر الحديث أحد أهم عناصر الأمن الوطني، لأنها الحصن الذي تفشل أمامه محاولات الاختراق مهما اختلفت أدواتها.
ولعل ما يميز المجتمع السعودي أنه كلما ازدادت التحديات من حوله، ازداد تماسكاً في داخله. فالأزمات لا تصنع وحدته، وإنما تكشف معدن هذا الشعب، ويبرز عمق الانتماء الذي يجمع أبناءه. ولذلك تتحول كل محاولة لاستهداف المملكة إلى مناسبة تتجدد فيها معاني الولاء، ويعلو فيها صوت الوطن فوق كل الأصوات.
ومن هنا، فإن تلاحم السعوديين لم يعد شأناً داخلياً فحسب، بل أصبح رسالة سياسية وإستراتيجية يقرأها الجميع. فالعالم يدرك أن الدولة التي يقف شعبها صفاً واحداً خلف قيادته ليست دولة يسهل التأثير عليها، أو فرض الإملاءات عليها، أو العبث باستقرارها، لأن مصدر قوتها الحقيقي يكمن في وحدة مجتمعها قبل أي شيء آخر.
وفي ظل ما تشهده المنطقة من صراعات وتنافس على النفوذ، فإن هذه الوحدة الوطنية تبعث برسالة واضحة إلى كل من يظن أن بإمكانه التأثير في أمن المملكة أو استقرارها، سواء كان يسعى إلى توسيع نفوذه عبر الأذرع والميليشيات، أو يحاول استثمار الأزمات الإقليمية لتحقيق مكاسب سياسية، أو يراهن على الضغوط الإعلامية والاقتصادية لإضعاف الموقف السعودي. فالرسالة واحدة، بأن المملكة تستند إلى جبهة داخلية يصعب اختراقها، وإلى شعب يدرك حجم التحديات، ويؤمن بأن أمن وطنه خط أحمر لا يقبل المساومة.
وهي رسالة يدركها كل من يعنيه أمن المنطقة ومستقبلها، سواء كان من القوى الإقليمية أو الدولية. فكل من يفكر في المساس بأمن المملكة، أو يراهن على زعزعة استقرارها، أو يعتقد أن بإمكانه التأثير في قرارها الوطني، يدرك أن المملكة لا تستند إلى قوة اقتصادها أو قدراتها العسكرية فحسب، بل إلى وحدة شعبها، وإلى قيادة تحظى بثقة مواطنيها. ولهذا فإن الرسالة تصل إلى إيران ومن يدور في فلكها من الأذرع والميليشيات، كما تصل إلى الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية، بأن المملكة دولة ذات سيادة، تقرر خياراتها وفق مصالحها الوطنية، ولا تسمح بأن تكون ساحة لتصفية الحسابات أو ورقة في مشاريع الآخرين.
ولا يعني ذلك أن المملكة تنظر إلى علاقاتها الخارجية من زاوية الصراع، فهي تنتهج سياسة تقوم على الحكمة، واحترام القانون الدولي، والسعي إلى تعزيز الأمن والاستقرار، وإقامة العلاقات المتوازنة مع الجميع. لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن سيادتها، ووحدة شعبها، وأمنها الوطني، ثوابت لا تقبل المساومة أو الابتزاز أو الاختبار.
وقد أصبح الوعي الشعبي السعودي اليوم أحد أهم عناصر القوة الوطنية. فالمواطن بات أكثر إدراكاً لخطورة الشائعات، وأكثر قدرة على التمييز بين النقد المسؤول الذي يخدم الوطن، وبين الحملات التي تستهدف إضعاف الثقة أو خدمة أجندات خارجية. وهذا الوعي يمثِّل امتداداً لمسيرة طويلة من ترسيخ الهوية الوطنية، وتعزيز الانتماء، وبناء الثقة بين الدولة والمجتمع.
ولقد أولت القيادة الرشيدة، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، وسمو ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود -حفظهما الله- اهتماماً كبيراً ببناء الإنسان السعودي، وتعزيز الهوية الوطنية، وترسيخ قيم الانتماء والمسؤولية، انطلاقاً من أن المواطن الواعي هو الضامن الأول لأمن وطنه، والشريك الحقيقي في مسيرة التنمية التي تشهدها المملكة في ظل رؤية المملكة 2030 .
وفي عالم تتبدل فيه التحالفات، وتتغيَّر فيه المصالح، تبقى الجبهة الداخلية السعودية هي الثابت الذي يمنح الدولة قوتها، ويمنح المواطن طمأنينته، ويبعث إلى العالم برسالة واضحة مفادها أن الأوطان التي تتحد شعوبها خلف قيادتها لا تهزها الأزمات، ولا تنال منها المؤامرات، ولا يستطيع أحد أن يفرض عليها ما لا تريده.
وحين تتحد الجبهة الداخلية، لا يكون ذلك مشهداً وطنياً فحسب، بل يصبح عنواناً لدولة تعرف طريقها، وشعب يعرف مسؤوليته، وهيبة تفرض نفسها قبل أن تتحدث بها البيانات أو تعكسها المواقف السياسية، وهي بكل تأكيد عنوان تتجلَّى فيه هيبة الدولة.