أحمد الفاضل
أسماء المنظمات الدولية أعمق من مجرد تسميات إجرائية؛ فهي أحياناً لها وثائق ووقائع تاريخية تعكس لحظة الميلاد، وتحمل دلالات قانونية وسياسية تؤثر في طبيعة عملها وشرعيتها. وعادةً ما تخضع هذه التسميات لإرادة الدول المؤسسة المتأثرة بسياقها التاريخي والسياسي وقت التأسيس. وحين تتغير الظروف، يصبح من المشروع التساؤل: هل لا يزال الاسم يعكس الواقع؟ ولعل «الأمم المتحدة» و«جامعة الدول العربية» أبلغ مثالين على هذه الإشكالية، إذ نشأ كلاهما في سياق تاريخي محدد، ولا يزال الاسمان يستخدمان حتى اليوم دون مراجعة جدية لمدى ملاءمتهما للواقع القانوني المعاصر.
ففي الأول من يناير 1942 صاغ الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت مصطلح «United Nations» ضمن إعلان وقّعته ست وعشرون دولة حليفة تعهدت بمواصلة القتال ضد دول المحور في الحرب العالمية الثانية. كانت كلمة «Nations» تشير آنذاك إلى الدول السيادية المتحالفة، لا إلى الأمم بمعناها الثقافي أو الإثني. وحين أُنشئت المنظمة الدولية عام 1945 خلفاً لـ«عصبة الأمم» التي فشلت في منع الحرب، ورث الاسمُ هذا الإرث الحربي دون تمحيص.
والمفارقة القانونية اللافتة أن ميثاق الأمم المتحدة في مادته الرابعة يشترط العضوية للـ«دول» (States) المحبة للسلام، لا للأمم. فثمة تباين واضح بين الاسم الذي يحمل كلمة «أمم» والواقع القانوني الذي يقوم على «الدول السيادية». ويزيد الأمر دقةً أن مفهوم «الأمة» (Nation) في القانون الدولي الكلاسيكي كان يختلط أحياناً بمفهوم «الدولة» (State)، مما يجعل هذا التباين إرثاً تاريخياً لا خطأً مقصوداً، لكنه يظل مثار تساؤل مشروع بعد مرور أكثر من ثمانين عاماً على نشأة المنظمة وتوسّع عضويتها لتشمل نحو مئة وثلاثة وتسعين دولة.
أما جامعة الدول العربية فقصة مختلفة، ففي عام 1944، اجتمعت الدول العربية المستقلة في الإسكندرية وفق بروتوكول الإسكندرية، واختلفت حول التسمية؛ فاقترح العراق «الاتحاد العربي»، وسوريا «التحالف العربي»، قبل أن يتقدم الوفد المصري بـ«الجامعة العربية» حلاً وسطاً يعكس طموحاً وحدوياً مرناً لا يصل إلى حد «الاتحاد» (Union) ولا يقتصر على مجرد «تحالف» (Alliance)، لتُضاف كلمة «الدول» ويُعتمد الاسم الرسمي عند توقيع الميثاق في 22 مارس 1945.
غير أن لفظ «جامعة» لم يكن اختياراً عفوياً؛ فهو يحمل إرثاً فكرياً عميقاً يمتد إلى المفكر جمال الدين الأفغاني (1838– 1897)، رائد فكرة «الجامعة الإسلامية» التي دعا فيها إلى توحيد العالم الإسلامي في مواجهة الاستعمار، ونشر أفكاره عبر مجلة «العروة الوثقى» مع محمد عبده في باريس عام 1884، كما تقاطعت أفكاره مع السلطان العثماني عبدالحميد الثاني الذي تبنّاها سياسياً. وقد كانت مصر، مقترحة الاسم، المركز الرئيسي لأفكار الأفغاني وتلاميذه كمحمد عبده ورشيد رضا، مما جعل مصطلح «الجامعة» حاضراً في وعيها السياسي والفكري حضوراً عميقاً.
بيد أن التحوّل الجوهري يكمن في أن المصطلح انتقل من إطاره الديني الإسلامي إلى إطار قومي عربي؛ فبعد سقوط الخلافة العثمانية عام 1924 وصعود القومية العربية، انتقل الفكر السياسي العربي من الهوية الدينية الجامعة إلى الهوية القومية الجامعة. وهكذا فإن اسم «جامعة الدول العربية» يحمل إرثاً فكرياً مزدوجاً: نهضوياً إسلامياً من الأفغاني، وقومياً عربياً من مرحلة الاستقلال، مما يجعل لفظ «جامعة» اختياراً مشحوناً بتراث متراكم لا مجرد تسوية لغوية بين الوفود المتفاوضة. وقد حرصت الدول المؤسسة على إضافة كلمة «الدول» وتضمين الميثاق نصوصاً تؤكد السيادة وعدم التدخل، لتحديد طبيعة الكيان الجديد بوصفه رابطة دول لا كياناً يمثل الشعوب مباشرة.
لطالما أثبتت التجارب أن تغيير أسماء المنظمات الدولية ممكن حين يرافقه تحوّل جوهري في بنيتها وأهدافها. فـ«منظمة الوحدة الإفريقية» أصبحت «الاتحاد الإفريقي» عام 2002 لتعكس طموحاً أعمق في التكامل السياسي والاقتصادي بعد سقوط نظام الفصل العنصري. و«مؤتمر الأمن والتعاون في أوروبا» تحوّل إلى «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» عام 1995 إثر تغيّر الخريطة السياسية الأوروبية. و«الجماعة الاقتصادية الأوروبية» تطورت إلى «الاتحاد الأوروبي» بموجب معاهدة ماستريخت عام 1992. في كل هذه الحالات، لم يكن تغيير الاسم شكلياً، بل رافقه تعديل جوهري في الميثاق والأهداف والهيكلة القانونية، مما يؤكد أن الاسم الجديد ضرورة تعكس واقعاً متجدداً.
من زاوية قانونية، قد يكون «منظمة الدول المتحدة» أقرب إلى طبيعة الأمم المتحدة كمنظمة حكومية دولية، وإن كان ذلك سيفقدها الزخم التاريخي المرتبط باسمها الحالي. أما «جامعة الدول العربية»، فقد تكون «منظمة الدول العربية» أو «رابطة الدول العربية» أوضح وأقل التباساً. غير أن التكلفة المعنوية والسياسية للاسم التاريخي تجعل الدول تتردد في تغييره، إذ أصبح مرتبطاً بوجدان الشعوب والوثائق الدولية، فضلاً عن أن أي تغيير يستلزم تعديل الميثاق وتوافق الدول الأعضاء وفق إجراءات قانونية معقدة.
إن مناقشة أسماء المنظمات الدولية خطوة نحو مزيد من الدقة القانونية والوضوح السياسي. فحين يحمل الاسم تاريخاً أثقل من واقعه، تصبح المراجعة ضرورة معرفية. وسواء تعلق الأمر بـ«الأمم المتحدة» التي وُلدت في خضم الحرب، أو بـ«جامعة الدول العربية» التي تشرّبت من معين المفكرين المسلمين وتحوّلت على يد القوميين العرب، فإن الاسمين يحملان طبقات من التاريخ تستحق أن تُقرأ وتُفهم، قبل أن يُبتّ في مسألة تغييرها أو الإبقاء عليها.