صالح الشادي
الشعر في بلادنا ليس ترفاً أدبياً، ولا كلمات تقال في المناسبات ثم تنسى، بل هو نبض الحياة اليومية، ورفيق اللحظات كلها. لا تخلو مناسبة من قصيدة، ولا حدث إلا ويحضره الشعراء بأبياتهم، وكأن الكلمة هي الأنس الدائم والظل الذي لا يفارق. هو لسان الحال الذي يعبر عمَّا في الصدور، ومرآة المجتمع التي تعكس تفاصيل أفراحه وأتراحه، وتاريخه وحاضره، وتطلعاته إلى غد أكثر إشراقاً.
في ربوع وطننا، حيث تنوع بيئي وثقافي فريد، تزهر ألوان شعرية لا تحصى: شعر البادية الذي يتسع مع اتساع الأفق، ويحمل هموم الصحراء وأسرارها، وشعر الجبال الذي يعلو بصوته المدوي، وشعر السواحل الذي يموج بإيقاع الأمواج، وشعر الحصاد الذي تفوح منه رائحة الخير والبركة. هذا الثراء الهائل يستحق أن يحتضن ويبرز، وأن تفتح له نوافذ الإعلام والمسارح، بدلاً من أن يظل حبيس الزوايا، محصوراً في قالب واحد لا يليق بتنوعه وعمقه. فالشعر النبطي، ذلك الفن العريق الذي نشأ في صحارينا وجبالنا، ليس مجرد لهجة، بل هو ذاكرة البادية وحكمة السلف، وهو لا يقل قيمةً عن الفصحى في التعبير عن وجداننا وهويتنا. كلاهما ينبعان من عين واحدة، ويعبران عن روح واحدة.
وإذا كان الشعر بهذه المكانة في قلوبنا، فإن المطالبة بإنشاء بيت الشعر السعودي ليست رفاهيةً، بل هي ضرورة ثقافية وحضارية، نتمناه منذ زمن طويل، ليكون نادياً جامعاً لأهل الشعر والموهبة، وملتقىً ثقافياً يستضيف شعراء العالم من كل الثقافات، ويؤرخ لإرثنا الشعري المتنوع، ويؤاخي بين النبطي والفصيح، ويذيب تلك الحدود الوهمية التي صنعناها بأيدينا. وإلى جانب هذا الصرح المنشود، نتطلع إلى حضور إعلامي راق يليق بالشعر، أنْ تولي وسائل الإعلام هذا الفن الأصيل الاهتمام الذي يستحقه، وأنْ تنقل إبداعاته إلى كل بيت، وتجعل منه حضوراً يومياً في وجدان الجميع، لا مجرد ذكرى عابرة في المناسبات. كما ننادي بإحياء كل الألوان الشعرية التي تزخر بها بلادنا، والاحتفاظ بالتجارب الشابة الواعدة، وفتح الأبواب أمام المواهب الجديدة، لأن مستقبل الشعر مرهون بهؤلاء الشباب الذين يحملون رايته، ويضفون عليه روحاً عصريةً تواكب طموحات الجيل الجديد.
هذه المطالب قد تجد أرضاً خصبةً اليوم، في ظل النهضة الثقافية الشاملة التي تعيشها بلادنا، والتي تجسد إيمان القيادة الرشيدة بأهمية الثقافة والفنون في بناء الإنسان وتعزيز الهوية. فها هو صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله- ولي العهد القائد الملهم يولي هذا القطاع مكانةً محوريةً في رؤية المملكة 2030، مؤكداً أن الثقافة هي عنوان الأمم ووجهها المشرق، وأن الاستثمار فيها هو استثمار في مستقبل الوطن. ومن هذا المنطلق، تظل الجهود الرامية إلى تطوير المشهد الثقافي، وتنويع فعالياته، وخلق منصات جديدة للإبداع، خطوات نوعيةً تثري التجربة الثقافية وتقرب الفن من الناس، وتجعل من الشعر حضوراً طبيعياً في تفاصيل الحياة.نحن اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نلمس تفاؤلاً حقيقياً بأن هذه الأحلام ستتحقق، وأن بيت الشعر الذي ننشده، وهذا الحضور الإعلامي الذي نطمح إليه، وإحياء كل فنوننا الشعرية ورعاية شبابنا المبدعين، كلها خطوات قريبة، ستجعل من الشعر نبراساً ينير حاضرنا ومستقبلنا. يبقى الشعر هناك، في كل مناسبة، وفي كل حدث، يروي حكايتنا، ويخلد لحظاتنا، ويعبر عن طموحاتنا، ويبقي صوت هذه الأرض عالياً، معتزاً بأصالته، متفاعلاً مع عصريته، ليسهم في رسم ملامح مستقبل ثقافي زاهر لوطن يستحق كل الجميل.