د.عبدالرحمن الحبيب
أسبوع آخر، وتصريح آخر متغطرس من إيلون ماسك، يتوقع أن شركته سبيس إكس ستصبح «أكثر قيمة من بقية الأرض» إذا حققت أهدافها طويلة الأجل»، كما كتب تيم أورايلي مؤسس أورايلي ميديا للنشر التكنولوجي، في تحليله لهيمنة سبيس أكس على الفضاء وتأثيرها الجيوسياسي. ماسك أول ترليونير بالعالم يمتلك حالياً نفوذاً هائلاً ينافس الدول، وتتحكم شركته في خدمات الإنترنت والهواتف المحمولة في مناطق حساسة لا تغطيها سوى شبكة ستارلينك. ما يعني ذلك للعالم؟
خلال الحرب الروسية الأوكرانية، ذكرت رويترز أن ماسك قطع الإنترنت عن الجنود الأوكرانيين، الذي فسَّره البعض على أنه قلق ماسك من تصاعد الحرب إلى صراع نووي، فقرر قطع الخدمة في الميدان لسحب القوات. ماسك نفى الأمر، لكن ساد خوف واسع آنذاك من قدرة شخص واحد على التأثير بمصير صراع دولي كبير. عندها صرح وزير الخارجية البولندي، بأن ستارلينك خطيرة، وعلينا التخلّص من اعتمادنا عليها تحسبًا لوقوع حوادث مماثلة مستقبلًا؛ فردَّ عليه ماسك بتغريدة: «اصمت أيها الرجل الصغير»؛ مما أثار قلقاً أوربياً ونقاشاً حول حاجتهم لأقمار صناعية خاصة بهم في مدار أرضي منخفض (مجلة فورين بوليسي).
وفقاً للخبراء يتبنى ماسك نموذجاً يبتعد عن «الرأسمالية المؤسسية» الخاضعة للمساءلة، ويستبدلها بنمط الحكام الإقطاعيين وقوة الذكاء الاصطناعي، فلم يعد المليارديرات مجرد رجال أعمال يديرون الإنتاج، بل أصبحوا «قادة» يستخدمون ثرواتهم للتدخل المباشر في السياسة، والتأثير على قرارات الحكومات، وتوجيه الأنظمة التقنية وفقاً لرؤيتهم الخاصة؛ فالنهج الذي يتبعه ماسك يقوم على المركزية المطلقة، مستفيداً من دعم الدولة ومتجاوزاً حواجز المحاسبة المؤسسية، بحسب أورايلي (مجلة الإيكونوميست).
كوين سلوبوديان، المؤرِّخ بجامعة بوسطن ومؤلف كتب عن الرأسمالية، ومشارك بتأليف كتاب صدر مؤخرًا «الماسكية: دليل للمتحيرين» (Muskism: A Guide for the Perplexed)، يقول في مقابلة: «تتألف سبيس إكس من ثلاثة قطاعات رئيسية أهمها قطاع الاتصالات، ستارلينك، بنحو 10,000 قمر صناعي تدور في مدار أرضي منخفض، تُمثِّل حوالي 70 % من الأقمار الصناعية بالمدار، وتُوفر إنترنت عريض النطاق بزمن استجابة سريع..» (فورين بوليسي).
في عصر العولمة، كان ثمة فصل بين الاقتصاد والسياسة بفضل معاهدات التجارة متعددة الأطراف، وشعور عام بالأمان لدى المستثمرين، وقدر من التوافق بين الدول المضيفة والمستثمرة. لكن الأمور تغيرت، بحسب سلوبوديان لأن ماسك احتكر سوق إطلاق الأقمار الصناعية تقريبًا من خلال خفض التكاليف ونموذج التكامل الرأسي للإنتاج، وإتقان ما كان يصعب تحقيقه سابقًا.
هل هذا يعني أن السياسيين مُلزمون بالتقرب من ماسك لاحتكاره سوق إطلاق الأقمار الصناعية، أم أن العكس صحيح؟ يرى سلوبوديان أنه سينفرهم، يقول: «هذا ما يحدث في الاتحاد الأوروبي حاليًا.. قد أثار نفورًا كافيًا لدى الناس لتسريع وتيرة الابتعاد عنه، حتى مع تزايد أهميته العالمية». ويضيف سلوبوديان بأن دول البريكس أكثر المعارضين جدية؛ فجنوب إفريقيا لم تسمح بدخول أجهزة استقبال ستارلينك إلى أراضيها؛ والهند، رغم كونها من أكبر مستخدمي منصة إكس، لم تسمح بذلك أيضاً. ولا ننسى أن البرازيل استولت على أصول ستارلينك بعد رفض ماسك مراقبة المحتوى التحريضي على منصة إكس، والذي كان يدعو إلى انقلاب هناك.
لذا، ينبغي التفكير في وضع ضوابط وشكل من الرقابة، على شركة مثل سبيس إكس كما يقترح الخبراء. ويخلص سلوبوديان إلى القول: «لن تتحسن الأمور حتى نُنوّع أسس الاقتصاد السياسي الأمريكي.. مثل التكنولوجيا الحيوية، والتعليم العالي، وقطاع التصنيع الأخضر الذي حظي بدعم كبير من الرئيس السابق جو بايدن. إذا عدنا إلى هذه الجوانب، فسنتمكن من التحرر من قبضة وادي السيليكون الخانقة.»