د. أبوبكر إبراهيم محجوب
تجوّل قليلاً في منصات التواصل المهني. اقرأ بعض السير الذاتية، وتصفّح عروضاً للمشاريع الناشئة، واستمع إلى الطريقة التي يقدّم بها الناس أنفسهم في المقابلات واللقاءات المهنية.
ستخرج بشعور غريب يمزج الدهشة بالريبة!
الجميع، بلا استثناء، يبدو شغوفاً، ومبتكراً، وصانعاً للأثر، وقائداً بالفطرة.
كل مشروع ناشئ تقريباً يزعم أنه يعيد تعريف المستقبل، وكل تجربة – مهما كانت عادية – تحولت إلى ملحمة نجاح استثنائية.
لكن المفارقة أن هذا الحشد الكبير من الأشخاص المميزين يبدو، في الوقت نفسه، متشابهاً إلى حد يصعب معه تذكّر شخص واحد بعد إغلاق الشاشة!
المشكلة ليست في ضعف المحتوى، بل في أنه أصبح متقناً أكثر من اللازم، ومتشابهاً أكثر مما ينبغي. الكلمات نفسها، والنبرة نفسها، وطريقة سرد الإنجازات نفسها، بل حتى قصص الفشل باتت تُروى بالحبكة ذاتها؛ تحدٍّ صعب، ثم لحظة تحول، ثم درس ملهم، ثم نجاح يستحق الاحتفاء.
كل شخص يخبرنا بأنه مختلف، لكن الطريف أن الجميع يثبت اختلافه بالطريقة نفسها!
هذه المفارقة تعبّر عن ظاهرة أسميها على الصعيد الشخصي «التميّز المنسوخ»؛ وهي أن يسعى الإنسان إلى الظهور بصورة استثنائية، فينتهي به الأمر إلى نسخة مصقولة تشبه آلاف النسخ الأخرى.
أين اختفى الخطأ البشري؟
لقد وفرت لنا التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي العديد من الاختصارات المذهلة. أصبح بإمكان أي شخص، خلال دقائق، أن يعيد صياغة سيرته الذاتية، وينظم أفكاره، ويصمم عرضاً بصرياً مبهراً لمشروعه يضاهي كبار المؤسسات العالمية. هذه إمكانات عظيمة لا يمكن إنكار أثرها في رفع جودة العمل وتوفير الوقت وتوسيع فرص الوصول إلى المعرفة، ولكن..
ما يفوتنا الانتباه إليه، هو أن الأدوات التي قمنا بالاستعانة بها لتحسين طريقتنا في التعبير، انتهى بها المطاف لتفرض علينا ما يجب أن نقوله !
في الماضي، وقبل أن تصبح القوالب الذكية حاضرة بهذا الشكل، كان بناء الهوية المهنية رحلة تعتمد على التجربة الحقيقية والمحاولة الصادقة والتعثّر الفطري. يكتب الإنسان سيرته بكلماته البسيطة، ويقدم فكرته بقدر من الارتباك، وقد يستخدم عبارة غير متقنة تعوّضها رغبة حقيقية في العمل. لم تكن تلك العيوب محمودة لذاتها، لكنها كانت، على الأقل، تكشف عن وجود إنسان حقيقي خلف النص؛ إنسان يفكر، ويحاول، ويخطئ، ويبحث تدريجياً عن صوته الخاص.
أما اليوم، فيمكن إزالة كل أثر بشري غير مثالي باسم «الاحترافية». فتُحذف مواطن التردد، وتُستبدل الكلمات العادية بمصطلحات فخمة، وتُعاد صياغة الجمل حتى تخرج سلسة، متماسكة، وخالية من الأخطاء؛ لكنها قد تخرج أيضاً خالية من صاحبها!
يمكن للنص أن يكون ممتازاً لغوياً، ومع ذلك لا يحمل شيئاً من الشخص الذي وقّع عليه باسمه. ويمكن للسيرة الذاتية أن تبدو قوية، بينما يعجز صاحبها عن الحديث بعفوية عن التجارب التي تصفها. وقد يكون العرض مبهراً بصرياً، لكن الفريق الذي أعده لا يملك فهماً عميقاً للمشكلة التي يزعم أنه سيحلها. وهذا هو التحدي الحقيقي للإنسان مع التقنية.
حين نعيد تشكيل أنفسنا
الاستسلام الكامل للقوالب الجاهزة ليس مجرد خيار تجميلي بسيط، بل هو عملية إعادة صياغة لشخصيتنا الفردية؛ فالقالب الجاهز يحمل في جوهره تصوراً مسبقاً وموجهاً لما يجب أن يكون عليه الإنسان الناجح:
كيف يتحدث؟
كيف يروي قصة فشله؟
ما الكلمات التي يصف بها طموحه؟
كيف يقدم ضعفه بطريقة تجعله يبدو قوة خفية؟
وأي أجزاء من تجربته تستحق الظهور، وأيها يجب إخفاؤها؟
ومع مرور الوقت، لا نكتفي باستخدام القالب لترتيب حياتنا، بل نبدأ في تعديل حياتنا لنناسب القالب!
يصف الشخص نفسه بأنه «قائد استراتيجي»، فيشعر بأنه مطالب بالتصرف طوال الوقت وفق صورة قيادية مثالية. ويصف مشروعه الصغير بأنه «ثوري»، فيصبح الاعتراف بمحدودية إمكاناته أمراً محرجاً. ويعرض مسيرته بوصفها سلسلة متصلة من النجاحات، فيخفي مراحل التردد والتراجع والتجارب التي لم تكتمل.
بهذه الطريقة، تتحول الهوية المهنية الرقمية من وسيلة لتعريف الآخرين بنا إلى قيد يطاردنا. فنصبح أسرى للصورة التي صنعناها، ونخشى أن تظهر حقيقتنا أقل بريقاً من ذلك الملف الذي يمثلنا.
وهنا لا يكون الخطر في أن نخدع الآخرين فقط، بل في أن نبدأ نحن أنفسنا في تصديق الصورة، ثم نقيس قيمتنا بما تملكه من إعجابات وانتشار وقبول، لا بما نملكه فعلياً من معرفة وقدرة ونضج.
كيف تخسر المجتمعات ذكاءها؟
يميل الإنسان بطبيعته إلى المسار الأقل كلفة، ويتجنب المواقف التي تعرضه للنقد أو الرفض. لذلك يبدو القالب الجاهز خياراً آمناً؛ فهو يمنحنا لغة مقبولة، ويقلل احتمال الخطأ، ويجعلنا نبدو أكثر احترافية.
يتعلّم «الباحثون عن العمل» الكلمات التي تجذب مسؤولي التوظيف، ويتعلم «أصحاب المشاريع» الصياغات التي يفضلها المستثمرون، ويتعلم «صناع المحتوى» العناوين التي تجذب المتابعين. وبذلك يتقن الجميع لغة القبول.
لكن حين يستخدم الجميع اللغة نفسها تقريباً، تصبح المؤسسات والمجتمعات أقل قدرة على التمييز بين العمق الحقيقي وحسن العرض الشكلي.
قد تُهمّش فكرة ناضجة لأن صاحبها قدمها بلغة بسيطة، وقد تتصدر فكرة هشة لأنها وُضعت داخل عرض مبهر.
وقد يُستبعد شخص يملك تجربة عميقة لأنه لم يتقن تسويق ذاته، بينما يتقدم عليه شخص أتقن وصف قدراته أكثر مما أتقن ممارستها.
وهذا ما يهدد المنافسة الصحيحة بشكل مباشر، لأنها تكون مبنية على جوانب شكلية أكثر من كونها تحدياً للقدرات والجدارات. والمجتمع الذي تتشابه فيه الأصوات يفقد تدريجياً جانباً من تنوعه الخلّاق وذكائه الجماعي؛ فالتنوع الحقيقي لا يتحقق باختلاف الأسماء والصور، بل باختلاف التجارب، وطرائق التفكير، وزوايا النظر إلى المشكلات.
مجتمعاتنا لا تحتاج إلى مزيد من الأشخاص الذين يجيدون ترديد المصطلحات ذاتها، بل تحتاج إلى من يرى ما لا يراه الآخرون، ويمتلك الجرأة على التعبير عنه بلغته الخاصة، حتى إن كانت لغته أقل بريقاً.
كيف نستعيد حقنا في تأليف أنفسنا؟
مقاومة التميّز المنسوخ لا تعني رفض التقنية، ولا تمجيد العفوية غير المنضبطة، ولا الدفاع عن الأخطاء والرداءة. الاحترافية مهمة، وجودة التعبير مطلوبة، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من العمل المعاصر. لكن الاحتراف الحقيقي ينبغي أن يوضح ملامح الإنسان دون أن يمحوها، وأن يجعل صوته أكثر صفاءً دون أن يستبدله بصوت نموذجي يصلح للجميع.
يمكن للذكاء الاصطناعي، ببساطة، أن يساعدك على ترتيب أفكارك، لكن الفكرة يجب أن تظل فكرتك. ويمكنه تحسين لغتك، لكن ينبغي ألا ينتزع منها نبرتك. ويمكن للقالب أن ينظم العرض، لكنه لا يستطيع أن يمنح المشروع سبباً حقيقياً للوجود.
لذا، يتحتم علينا البدء بوقفة وعي شجاعة، وامتلاك الحس النقدي قبل نشر أي نص أو إرسال أي ملف، وذلك عبر أسئلة حاسمة:
هل تشبهني هذه الكلمات حقاً، أم أنني استخدمتها لأنها تبدو أكثر قبولاً؟
هل أستطيع الدفاع عن هذه الأفكار بثقة في حوار طبيعي ومرتجل، بعيداً عن الشاشة والنصوص المعدة سلفاً؟
هل تعكس هذه السيرة قدراتي الحقيقية، أم أنها تقدم صورة أتمنى فقط أن أكونها؟
هل أستخدم الأداة لتوسيع قدراتي، أم للاختباء خلف صورة أكثر كمالاً مني؟
المسؤولية عن انتشار هذه الظاهرة لا تقع على الأفراد وحدهم؛ فالمؤسسات تسهم كذلك في تعزيزها عندما تمنح الانطباع الأول وزناً يفوق الكفاءة، وتكافئ الأشخاص الذين يتقنون تسويق أنفسهم أكثر من أولئك الذين يتقنون العمل الفعلي.
عندما نقيم المرشحين من خلال بريق ملفاتهم فقط، فنحن ندربهم بصورة غير مباشرة على تحسين الشكل فقط. وعندما تنبهر لجان الاستثمار بجمال العرض أكثر من منطق المشروع، فإنها تشجع أصحاب الأفكار على توجيه طاقتهم إلى صناعة الواجهة.
التقييم الأكثر عدلاً يحتاج إلى حوار إنساني مفتوح، وأسئلة عملية، ومواقف تكشف طريقة التفكير، وفرصة للإنسان كي يظهر كما هو، بعيداً عن كواليس المساحيق الرقمية.
الندرة الحالية: الصدق
الذكاء الاصطناعي اليوم في أوج قوته، والقوالب بلغت أقصى درجات الإبهار والانسيابية. لم نعد ننتظر الغد، فالقدرة على إنتاج النصوص المصقولة والعروض المبهرة أصبحت متاحة أمام الجميع. يستطيع الإنسان اليوم صياغة سيرة احترافية، أو بناء خطة أولية، أو إعداد خطاب مؤثر خلال وقت قصير جداً.
وفي هذا الواقع تحديداً، تتراجع ندرة الصياغة، وتزداد قيمة الصدق.
لن تكون الأفضلية دائماً لمن يملك أجمل الكلمات، بل لمن تحمل كلماته أثراً حقيقياً من تجربته. ولن تكون القيمة للإنسان الذي يبدو كاملاً، بل لمن يظهر انسجاماً واضحاً بين ما يقوله، وما يعرفه، وما يستطيع فعله.
التميّز الحقيقي ليس أن تستخدم كلمات لم يستخدمها أحد، ولا أن تتعمد الاختلاف عن الجميع. التميّز أن يكون هناك شيء منك في العمل الذي تقدمه؛ تجربة عشتها، وفكرة نضجت داخلك، وموقف دفعت ثمنه، وصوت يمكن تمييزه حتى قبل قراءة الاسم.
لقد جاءت التقنية لتوسع آفاقنا وتحسّن مخرجاتنا، لكن يجب ألا نسمح لها أبداً بأن تختار لنا من نكون. الخطر الأكبر الذي يهدد البشرية اليوم ليس أن تصبح الآلات شبيهة بالبشر، بل أن يقبل البشر طواعية بأن يتحولوا إلى نسخ متشابهة، مصقولة بعناية، وخالية تماماً من الملامح!