فائز بن سلمان الحمدي
إن يوم الجمعة ليس قطعةً من الزمن تدرج في حساب الأعوام، ولا مرحلةً من مراحل الدهر تنقضي كما تنقضي سائر الأوقات، ولكنه سرٌّ ربانيٌّ أودعه الله في دورة الأيام، ونفحةٌ قدسيةٌ تتنزّل على الأرواح كما يتنزّل الغيث على الأرض المجدبة، فتستنبت في القلوب من معاني الإيمان ما يذبل في زحمة الدنيا، وتوقظ في الضمائر من حياة اليقين ما تخمده غفلات الأعمار. فهو اليوم الذي اختصّه الحقُّ سبحانه بمزيد التشريف، وجعله عيداً لأهل الإسلام، ومجمعاً للقلوب قبل الأجساد، وملتقى للأرواح قبل الأبصار، حتى كأن الأمة فيه تخلع عنها أثقال التفرّق، وتلبس من جلال الوحدة ثوباً نسجته العقيدة بخيوط الإيمان، فأذابت ما بين النفوس من فوارق، وجعلتها في حضرة العبودية كالكوكب المنظوم في سلكٍ واحد، لا يزيغ عن مداره، ولا يخرج عن نظامه.
ولذلك لم تكن الجمعة في ميزان الشريعة صلاةً تؤدَّى، بل كانت شعيرةً تُعظَّم، وميثاقاً يتجدد بين العبد وربه، وموسماً تتطهر فيه السرائر قبل الظواهر، وتسمو فيه الأرواح قبل الأجساد، إذ ليس المقصود أن تبلغ الأقدام أبواب المساجد، وإنما أن تبلغ القلوب أبواب القرب من الله، وأن تدخل على ربها دخول المنيب الخاشع، لا دخول المعتاد الغافل؛ فإن العبادة إذا فارقها التعظيم غدت صورةً بلا روح، وهيئةً بلا أثر، وحركةً لا تتجاوز ظاهر الجوارح.
ومن هذا الأفق المقاصدي المنيف، والفهم المستبصر بأسرار الشريعة وغوامض حكمتها، انبثقت توجيهات معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، بتخصيص خطبة الجمعة للحديث عن جلالة هذه الشعيرة، واستنهاض الهمم إلى تعظيمها، والتنويه بسننها وآدابها، من التبكير إليها، والتطهّر لها، والتطيّب، والتجمّل بأحسن الهيئة، واستفراغ الوسع في الإنصات للخطيب، والتحذير من كل ما يقدح في هيبة المقام، أو يستلب القلب حضوره، أو يحول بين السامع وبين فيوض الموعظة، من لغوٍ عابث، أو لهوٍ صارف، أو انهماكٍ في هاتفٍ أضحى عند كثير من الناس أشد استيلاءً على الأسماع من نداء الحق.
وهذه التوجيهات ليست مما يُستنفد أثره بانقضاء مناسبة، ولا مما يقف عند حدود التنظيم والإجراء، بل هي دعوةٌ إلى بعث معنى التعظيم في الضمائر، وإحياء الحسّ التعبدي في النفوس، وردّ الأمة إلى ينابيعها الأولى، يوم كانت تعظّم الشعائر لأنها من الله، لا لأنها مما ألفته العادة، وتجلُّ المنبر لأنه موضع البلاغ عن الله، لا لأنه موضع اجتماع الناس، وتُصغي إلى الخطبة إصغاء المتشوّف إلى الهدى، لا إصغاء المستثقل الذي ينتظر انقضاء الوقت.
ولقد عرف الناس في معالي الوزير همةً لا تفتُر في خدمة بيوت الله، وعنايةً لا تنقطع بصيانة المنابر، وبصيرةً نافذةً في إدراك رسالتها، فلم ينظر إلى المسجد نظرَ من يرى حجارةً تعلوها القباب، وإنما نظر إليه نظرَ من يرى حصناً للإيمان، ومشعلاً للهداية، ومصنعاً تُصاغ فيه النفوس على مقتضى الوحي. ولم ير المنبر أعواداً يرتقيها الخطيب، بل رآه محراب البيان، ولسان الشريعة، وموئل الوعظ، ومنهلاً تتزوّد منه الأمة بمعاني الاستقامة والرشد. ومن ثم غدت وزارة الشؤون الإسلامية في عهده أنموذجاً في صيانة رسالة المسجد، وإعلاء شأن المنبر، وترسيخ منهج الوسطية والاعتدال، وربط الناس بأصول الدين ومحاسنه.
وما أحوج المسلمين في هذا الزمان، وقد تكاثفت عليهم غوائل الشواغل، وتناوشت قلوبهم صوارف الحياة، إلى أن يرجعوا إلى الجمعة رجوع المستروح إلى نسيم الرحمة، والمستسقي إلى معين الحياة؛ فإن أعظم ما يُخشى على الشعائر أن تألفها النفوس حتى يغيب عنها جلالها، وأن تتكرر حتى تضمحل في الحسّ هيبتها، فتبقى الأجساد في الصفوف، بينما الأرواح هائمة في أودية الدنيا، وتتحرك الجوارح بالطاعة، بينما القلوب موثقة بأغلال الغفلة. وتلك هي الخسارة التي لا يشعر بها إلا من ذاق حلاوة الإيمان ثم افتقدها.
ولذلك جاء التحذير النبوي البليغ في أوج الإعجاز التربوي، إذ قال صلى الله عليه وسلم: «إذا قلت لصاحبك يوم الجمعة: أنصت، والإمام يخطب، فقد لغوت». فتأمل كيف سدّ الشرع أبواب اللغو كلها، وصان لحظة الخطبة من أدنى ما يشوبها؛ لأنها ساعةٌ تتنزّل فيها الموعظة على القلوب، فلا يصلح أن يزاحمها صوت، ولا أن يشاركها شاغل، ولا أن ينازع سلطانها سلطانٌ آخر. فكيف بمن جعل بصره أسيراً لشاشة هاتفه، وسمعه رهين إشعاراته، وقلبه موزعاً بين حديث الخطيب وحديث الدنيا؟ وأين تقع أنوار الوحي من قلبٍ ازدحم بضجيج الغفلة؟
إن المنبر ليس خشباً تعلوه الأقدام، بل هو ذروة البيان الإسلامي، والخطبة ليست ألفاظاً تُلقى في الآذان، وإنما هي أنفاس هداية، ونفحات رحمة، ورسائل ربانية تستنقذ القلوب من أوضار الغفلة، وتبعث فيها حياة اليقين. والإنصات لها ليس خُلُقاً اجتماعياً مجرداً، وإنما هو أدبٌ مع الله قبل أن يكون أدباً مع الخطيب، وعبادةٌ تُستجلب بها الرحمات، وتُستفتح بها مغاليق القلوب. فنسأل الله، وهو الذي عظّم شعائره وجعل تعظيمها من تقوى القلوب، أن يرزقنا من إجلالها ما يزكي أرواحنا، وأن يجزي معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد خير الجزاء على ما يبذله من مساعٍ مباركة في إحياء السنن، وصيانة المنابر، وخدمة بيوت الله، وأن يبارك في أعماله، ويوفقه لما فيه عز الإسلام وصلاح المسلمين، وأن يحفظ لهذه البلاد المباركة أمنها وإيمانها، وقيادتها الرشيدة، وأن يديم عليها لباس العافية، ويجعلها دار هدى، ومهوى أفئدة المؤمنين، إنه سبحانه نعم المولى ونعم النصير.