د. رانيا القرعاوي
أطلقت ستاربكس كوريا حملة تسويقية للترويج لسلسلة أكواب Tank تحت شعار «Tank Day»، مرفقة بعبارة «Tak! on the desk». لم تمضِ ساعات حتى اضطرت الشركة إلى سحب الحملة بعد موجة غضب واسعة، إذ تزامن إطلاقها مع الذكرى السادسة والأربعين لانتفاضة غوانغجو الديمقراطية، بينما رأى كثير من الكوريين أن اسم الحملة وعباراتها يستحضران واحدة من أكثر الفترات إيلامًا في تاريخ البلاد.
لم تتوقف تداعيات الأزمة عند الاعتذار، بل امتدت إلى إقالة الرئيس التنفيذي لستاربكس كوريا، واعتذار رئيس مجموعة شينسيغيه المالكة للشركة، وتصاعد دعوات المقاطعة، بينما أشارت التقارير إلى تراجع ملحوظ في المبيعات، وانخفاض في استخدام التطبيق، كل ذلك بسبب حملة لم تتجاوز بضع ساعات، لكنها مست ذاكرة مجتمع بأكمله.
هذه الأزمة كشفت عن تحدٍ جديد يفرضه عصر الذكاء الاصطناعي. فبحسب ما تناولته التحقيقات والتقارير، استعان فريق التسويق بأدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي لتطوير أفكار الحملة، إلا أن الأزمة لم تنشأ لأن التقنية أخطأت، بل لأن المؤسسة افتقدت المراجعة البشرية القادرة على إدراك أن عبارة تبدو عادية في نظر الخوارزمية قد تحمل دلالات تاريخية مؤلمة لدى الجمهور.
وهنا تتجلَّى الحقيقة التي يجب أن تستوقف كل ممارس للعلاقات العامة: الذكاء الاصطناعي قد يعرف ملايين الكلمات، لكنه لا يحمل ذاكرة الشعوب.
وبينما يحتفي العالم باليوم العالمي للعلاقات العامة في 16 يوليو، تبدو هذه الأزمة تذكيرًا بأن المهنة دخلت مرحلة جديدة. فالعلاقات العامة لم تعد مسؤولة فقط عن كتابة البيانات الصحفية، أو إدارة المؤتمرات الإعلامية، أو احتواء الأزمات بعد وقوعها، بل أصبحت مطالبة بأداء دور أكثر عمقًا؛ أن تكون حارس الذاكرة المؤسسية والثقافية.
لقد كانت سرعة إنتاج المحتوى في الماضي تحديًا، أما اليوم فقد أصبحت السرعة متاحة للجميع بفضل الذكاء الاصطناعي. لكن ما لا تستطيع الخوارزميات إنتاجه هو فهم السياق، وإدراك الحساسية الثقافية، واستيعاب الرموز التاريخية التي قد تختبئ خلف كلمة أو تاريخ أو صورة.
بحسب نظرية إدارة العلاقات (Relationship Management Theory)، فإن جوهر العلاقات العامة ليس الرسائل، بل العلاقة المستدامة بين المؤسسة وجمهورها، القائمة على الثقة والاحترام المتبادل. فالثقة لا تُقاس بعدد الحملات الناجحة، وإنما بقدرة المؤسسة على فهم مجتمعها واحترام قيمه وتاريخه. وحين تغيب هذه العلاقة، تتحول أفضل الحملات الإبداعية إلى أزمة سمعة يصعب احتواؤها.
وتوضح نظرية استعادة الصورة الذهنية (Image Restoration Theory) للعالم وليام بينوا، أن الاعتذار وحده لا يكفي لاستعادة الثقة، ما لم يصاحبه اعتراف حقيقي بأسباب الخلل، وإجراءات تمنع تكراره. فالجمهور لا يحاسب المؤسسات على وقوع الخطأ فحسب، بل على طريقة تعاملها معه، وعلى قناعتها بأن المشكلة كانت في النظام الذي سمح بمرور الخطأ، لا في شخص واحد. إن أخطر ما كشفته أزمة ستاربكس كوريا ليس الذكاء الاصطناعي، وإنما الاعتقاد بأن التقنية يمكن أن تحل محل الخبرة الإنسانية في فهم المجتمعات. فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يكتب إعلانًا، ويقترح شعارًا، ويتنبأ بما يحقق أعلى نسب تفاعل، لكنه لا يعرف أن تاريخًا معينًا يمثِّل جرحًا وطنيًا، أو أن عبارة عابرة قد تعيد إلى الأذهان مأساة لم تندمل.
ولهذا، فإن مستقبل العلاقات العامة لن يُقاس بمدى استخدام المؤسسات للذكاء الاصطناعي، بل بقدرتها على توظيفه ضمن منظومة يقودها الإنسان، ويضبطها الوعي، وتحكمها المسؤولية. فالعلاقات العامة في عصر الذكاء الاصطناعي لم تعد مجرد صانعة للرسائل، بل أصبحت حارسًا للثقة، ومولدّاً للإبداع الإنساني.