عبدالوهاب بن سليمان المشيقح
يعد قطاع العطور من أكثر القطاعات ارتباطًا بالمجتمع السعودي، فالعطر في مجتمعنا ليس مجرد سلعة استهلاكية. بل هو جزء من ثقافتنا وهو ذوق وموروث، حتى أصبحت المملكة من أكبر أسواق العطور في العالم وأفضلها ذوقاً، وتتصدر السعودية دول مجلس التعاون الخليجي التي تستحوذ بدورها على نحو 35 % من مبيعات العطور عالمياً. كما تُصنّف من أكبر الأسواق العالمية المستوردة والمستهلكة للفرد الواحد في هذا القطاع.
ورغم ضخامة هذا السوق، فإن المتجول في كثير من الأسواق والمجمعات التجارية لا أقول يلاحظ، بل لا يفارق عينيه أن معظم منافذ بيع العطور يعمل فيها غير السعوديين، بينما يكاد يغيب الشاب والفتاة السعوديان عن قطاع يمتلك جميع مقومات النجاح الوظيفي والاستثماري.
إن سعودة مبيعات العطور ليست مطلبًا وظيفيًا فحسب، بل هي ضرورة اقتصادية واجتماعية ومهنية، ولها مبررات عديدة تستحق الوقوف عندها.
فأولًا، قطاع العطور من القطاعات التي تحقق قيمة مضافة مرتفعة، وهو قادر على توفير آلاف الوظائف المستقرة للشباب والشابات السعوديين، مع إمكانية التطور الوظيفي إلى التسويق والإدارة والامتياز التجاري وريادة الأعمال.
وثانيًا، الموظف السعودي هو الأقرب إلى فهم ذوق المستهلك السعودي والخليجي، فهو يعرف طبيعة المناسبات، والفصول، والعطور الشرقية والغربية، ويستطيع أن يقدم للمشتري ترشيحات نابعة من معرفة حقيقية بعادات المجتمع، لا من مجرد حفظ أسماء المنتجات.
وثالثًا، عندما يعمل السعودي في هذا القطاع، فإن دخله يعود لينفق داخل الاقتصاد الوطني، فيدعم الأسر، وينشط الأسواق، ويزيد من دوران الأموال داخل المملكة، بينما يؤدي الاعتماد الكبير على العمالة الوافدة إلى خروج جزء من العائدات في صورة تحويلات مالية إلى خارج البلاد.
ورابعًا، إن وجود السعوديين في واجهة هذا القطاع يعزِّز الثقة بالعلامات التجارية الوطنية، ويرفع مستوى الخدمة، ويمنح المهنة مكانتها التي تستحقها، فهي ليست مجرد بيع زجاجة عطر، بل فن في معرفة الروائح، واحتياجات العملاء، وأصول الضيافة والتعامل.
غير أن الأجمل في هذه القصة أن السعوديين لم يثبتوا نجاحهم في البيع فقط، بل تجاوزوا ذلك إلى صناعة العطور نفسها، ولنا في ذلك أمثلة إيجابية.. فقد برز خلال السنوات الماضية عدد من المبدعين السعوديين الذين ابتكروا تركيبات عطرية راقية، واستطاعوا أن ينافسوا علامات عالمية عريقة، وأصبحت منتجاتهم تحظى بإقبال واسع داخل المملكة وخارجها، حتى إن بعض الأسماء السعودية أصبحت مقصدًا لعشاق العطور الفاخرة، وأثبتت أن الإبداع لا يرتبط بجنسية، بل بالموهبة والخبرة والدعم، وهذا النجاح يحمل رسالة واضحة؛ فإذا كان السعودي قد نجح في ابتكار العطر، وفي بناء علامة تجارية يثق بها المستهلك، فالأولى أن نتجه بخطوات أوسع نحو توطين صناعة العطور نفسها بعد سعودة البيع التي من خلالها نأخذ واقع السوق المخفي عنا ومتطلباتنا.
إن توطين الصناعة لا يعني إنشاء مصانع فحسب، بل يعني بناء سلسلة قيمة وطنية تبدأ بالبحث والتطوير، وابتكار التركيبات، حتى تصبح المملكة مركزًا إقليميًا وعالميًا لهذه الصناعة ومتطلباتها.
لا شك أن رؤية المملكة 2030 فتحت الباب أمام الصناعات الوطنية الواعدة، والعطور واحدة من أبرز هذه الصناعات؛ فهي تجمع بين الهوية، والثقافة، والقيمة الاقتصادية، والقدرة على المنافسة العالمية.
إننا نتطلع بسعودة المبيعات لأنها وظيفة، وبتوطين الصناعة لأن فيها دخل وطني، ولأن الواقع أثبت أن أبناء الوطن قادرون على النجاح في المجالين معًا، وأن السوق المحلية مهيأة لاحتضانه.
ولعل اليوم الذي نرى فيه العطر السعودي يملأ أسواق العالم، ويُصنع ويُسوَّق ويُدار بأيدٍ سعودية ليس بعيداً بتوفيق الله.