«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في مدينةٍ تشكلت ذاكرتها حول النخلة، ونمت بالتجارة، وحفظت حكاياتها في الحرفة والمطبخ والعمارة، دخلت السينما إلى بريدة من بوابة مختلفة؛ لا لتقدم شاشة عرض فحسب، بل لتفتح حوارًا جديدًا مع المكان وذاكرته وتحولاته. وعلى مدى يومي الجمعة والسبت الماضيين، 17 و18 يوليو 2026م، احتضن بيت الثقافة بمنطقة القصيم محطة جديدة من برنامج «شاشتنا» المتنقل، الذي تنظمه جمعية السينما، مقدمًا 17 فيلمًا قصيرًا تنوعت بين الروائي والوثائقي والكوميدي، إلى جانب لقاء مع المخرج والمنتج السعودي حسن سعيد.
وبين حكايات الموروث الشعبي، وتفاصيل الحياة اليومية، وأسئلة الهوية والعلاقات الإنسانية، وصولًا إلى القلق الذي تثيره التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي، رسمت الأفلام المعروضة خريطة واسعة للتجربة الإنسانية، مؤكدة أن السينما لا تكتفي بتسجيل ما يحدث، بل تمنح المجتمع فرصة للتأمل في ذاته، وقراءة ماضيه، ومساءلة مستقبله.
وانطلقت عروض المحطة مساء الجمعة بفيلم «ترياق» للمخرج حسن سعيد، الذي يتتبع رحلة طفل يسعى إلى تسجيل صوت مغنٍ شعبي باستخدام مسجل والده القديم. وفي هذه الحكاية البسيطة، يتحول جهاز عتيق إلى مفتاح لذاكرة كاملة، ويصبح الصوت الشعبي أكثر من تسجيل عابر؛ إنه أثر من زمن يوشك أن يغيب، ومحاولة طفولية للاحتفاظ بما لا يمكن استعادته إلا بالذاكرة.
وشهد برنامج الجمعة كذلك عرض أفلام «شرشورة» لأحمد النصر، و«قصة صالح» لزكي آل عبدالله، و«حامض حلو» لأحمد الحساوي، و«حياة مشينة» لسعد طحيطح، و«شدة ممتدة» لسلطان ربيع، و«جهير» لمحمد الزهراني.
واستكملت المحطة عروضها مساء السبت مع أفلام «رجل الغابة المخفية» لخالد الهوسة، و«ليلي» لزكريا البشير، و«قن» لمجتبى زكي الحجي، و«علكة» لبلال البدر، و«وثائقي علكة» لعبدالرحمن أحمد، و«رحلة 1-2» لرنا مطر، و«كرفان روان» لأحمد أبو العصاري، و«حوض» لريما الماجد، و«ترفة» لعبدالله السويد، و«سليق» لأفنان باويان.
وفي موازاة العروض، استضافت محطة بريدة المخرج والمنتج حسن سعيد، بالتزامن مع عرض فيلمه «ترياق»، في لقاء أتاح للجمهور الاقتراب من تجربته في صناعة الأفلام، ومناقشة عدد من الجوانب المرتبطة بالعمل السينمائي، بما يعكس طبيعة برنامج «شاشتنا» الذي يتجاوز فكرة العرض إلى بناء مساحة للحوار بين الفيلم وصانعه والجمهور.
ولا تبدو استضافة بريدة لهذا البرنامج مجرد محطة جديدة في مسار عروض متنقلة، فالمكان نفسه يحمل طبقات ثقافية تجعل حضور السينما فيه ذا دلالة خاصة. فبريدة، التي ارتبطت طويلًا في الذاكرة العامة بصورة المدينة المحافظة، هي في الوقت ذاته مدينة عريقة تشكلت حول النخلة، وازدهرت بالتجارة، وراكمت ذاكرتها في الحرفة والأسواق والمطبخ الشعبي والعمارة المحلية. وهي اليوم لا تقف أمام موروثها بوصفه ماضيًا مغلقًا، بل تعيد قراءته ضمن تحولات ثقافية أوسع تشهدها المملكة.
ومن هذه الزاوية، تبدو السينما امتدادًا طبيعيًا لهذه الحركة؛ فهي لا تأتي لتستبدل ذاكرة المكان، بل لتمنحها لغة جديدة، ولا تقطع الصلة بالماضي، بل تعيد النظر فيه من موقع الحاضر. وبين فيلم يستعيد صوت مغنٍ شعبي من جهاز قديم، وأعمال تنشغل بالطفولة والهوية والعلاقات الإنسانية، وأخرى تقترب من أسئلة التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بدت محطة «شاشتنا» في بريدة رحلة بين زمنين: زمن تحفظه الذاكرة، وزمن تعيد التكنولوجيا تشكيل ملامحه.
وفي المسافة بين الماضي والمستقبل، تؤكد السينما قدرتها على أن تكون أكثر من فن للمشاهدة؛ فهي وسيلة لإعادة اكتشاف المدن، وقراءة تحولات المجتمعات، ومنح التفاصيل المحلية حياة جديدة على الشاشة. ولعل أهمية حضورها في بريدة تكمن تحديدًا في هذا المعنى: أن تدخل السينما مدينة النخلة والذاكرة لا بوصفها غريبة عن المكان، بل بوصفها أداة جديدة لسرد حكاياته.
وتأتي محطة بريدة ضمن برنامج «شاشتنا» الذي أطلقته جمعية السينما لتوسيع وصول الأفلام إلى الجمهور عبر فضاءات ثقافية متنوعة، وتقديم تجربة مشاهدة تمتد إلى اللقاء والحوار وتبادل الأفكار حول الأعمال وصنّاعها، بما يعزز حضور السينما والفنون بوصفهما جزءًا من الحراك الثقافي السعودي، ومساحة قادرة على وصل الذاكرة بالمستقبل، وتحويل المدن من مجرد أماكن تُروى عنها الحكايات إلى فضاءات تروي حكاياتها بنفسها.