عماد الصاعدي
تكثر مع بداية الإجازة الصيفية مناسبات الأفراح، وهي ظاهرة مجتمعية تجسد قيم الكرم والتآلف، تأسياً بسنة الرسول الكريم، ومصداقًا لقوله :«أَولِم ولو بشاة».
وهذه المناسبات في ظاهرها الفرح والسرور إلا أنها منذ سنوات خرجت عن المألوف في حجم الإنفاق والتكاليف الباهظة، وما يصاحبها من التزامات مادية تثقل كاهل شابٍ يُصارع متطلبات الحياة براتبٍ يكاد يكفي احتياجاته الأساسية، والأدهى من ذلك تحميله ما لا يطيق من الشروط والمتطلبات التي قد تؤخر زواجه أو ترهقه بالديون منذ بداية حياته الأسرية.
وفي التفصيل، تشير بيانات إحصائية من الهيئة العامة للإحصاء إلى أن متوسط الإنفاق على حفلات الأفراح في المملكة بلغ نحو (12.5) ألف ريال للحفل، فيما تتجاوز التكلفة الإجمالية للزواج لدى كثير من الأسر أضعاف هذا الرقم عند احتساب المهر، وتأثيث المسكن، والذهب، وغيرها من الالتزامات، وهو ما يفرض على كثير من الشباب أعباءً ماليةً قد تمتد لسنوات.
وبنظرة واقعية إلى حال شباب اليوم، نجد أن كثيراً منهم يؤيدون التيسير في تكاليف الزواج، والاكتفاء بإقامة مناسبة بسيطة يتحقق بها إعلان الزواج، ولهذا يتفق الجميع أن نجاح المناسبة لا يُقاس بحجم الإنفاق، بل بحسن التنظيم، وفرحة الأهل والأقارب، ورضا الحضور، والبركة التي تحل عندما تُقام المناسبة دون الإسراف والتبذير والتفاخر.
وحدثني أحد أقارب شابٍ بأنه اقترح على ابن أخته إقامة حفل عائلي بسيط في مزرعة والده، على أن يستثمر المبلغ المتبقي في مشروع صغير لبيع التمور، وفر من خلاله دخلًا شهريًا ساعده على تحمل تكاليف معيشته وسداد إيجار شقته، في نموذج يؤكد أن حسن التخطيط قد يكون بداية لاستقرار أسرة سعيدة.
إن ما يحتاجه شبابنا اليوم ليس الادخار فحسب، بل تَعلّم فن إدارة الظروف والتعامل مع متطلبات الحياة بحكمة، ويبقى تعاون أهل الزوجة وتيسيرهم مَطلبًا مهمًا، «فأعظم النساء بركة أيسرهن مؤونة»، كما أن تماسك المجتمع يبدأ من التفاهم، والقبول، وكسر كثير من القيود الاجتماعية.
ولعلَّ تجربة جائحة كورونا كانت مثالًا واضحًا على إمكانية إقامة مناسبات زواج بسيطة وناجحة؛ إذ انتشرت الدعوات الإلكترونية، واقتصرت الاحتفالات على نطاق الأسرة والمقربين، وأثبتت التجربة أن الفرح الحقيقي لا يرتبط بكثرة المدعوين، بل بالمحبة والرضا، وأن المرونة في تنظيم المناسبات لا تُنقص من قيمتها، بل قد تزيدها بركة.
أخيراً، فإن ثقافة الوعي لا تُقاس بالمظاهر ولا بالتقليد، بل بحسن التقدير والمسؤولية، إذ ماعَلِمنا أن معدلات استمرار بعض حالات الزواج لم تَعُد كما كانت في الماضي، والتي تُحَتم على مراكز الدعم الأسري تعزيز التأهيل الإرشادي للمقبلين على الزواج قبل الدعم المادي، والتوعية بأهمية هذا الميثاق الغليظ تحقيقًا لترابط أسري ومجتمع آمن.