عبود بن علي ال زاحم
ليس كل أثرٍ جميل يصنعه المال أو المنصب أو القوة. فكثيرٌ من القلوب فُتحت بكلمةٍ لينة، وكثيرٌ من العلاقات استمرت بسبب موقفٍ رفيق، وكثيرٌ من الأخطاء عُولجت بالحكمة لا بالشدة. لذلك جعل الإسلام الرفق خلقًا أصيلًا وربط بينه وبين الخير كله.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ». إنها قاعدة تربوية عظيمة. فليس المقصود أن يكون الإنسان ضعيفًا أو متهاونًا، وإنما أن يكون حسن الأسلوب ولين الجانب وحكيمًا في تعامله. يختار الكلمة التي تُصلح قبل الكلمة التي تُؤذي، ويبحث عن الطريق الذي يجمع القلوب بدلًا من أن يفرقها.
الرفق لا يعني التنازل عن المبادئ، بل يعني أن تُقدَّم المبادئ بأفضل صورة. فالمعلم يحتاج إلى الرفق ليبني شخصية طلابه، والوالدان يحتاجان إليه في تربية أبنائهما، والقائد يحتاج إليه ليكسب ثقة فريقه، والموظف يحتاج إليه في تعامله مع زملائه والمستفيدين. وحتى في الاختلاف يبقى الرفق هو الجسر الذي يحفظ الاحترام ويقود إلى الحوار.
ومن يتأمل حياته يجد أن المواقف التي عولجت بالهدوء واللين كانت أكثر نجاحًا من تلك التي سيطر عليها الغضب والانفعال. فالشدة قد تُجبر الناس على الامتثال مؤقتًا، أما الرفق فيصنع القناعة ويغرس المحبة ويترك أثرًا يدوم. ولهذا كان الرفق من صفات الله سبحانه وتعالى، فهو الرفيق الذي يحب الرفق ويجزي عليه ما لا يجزي على العنف. ومن أحب أن ينال محبة الله وأن يبارك له في قوله وعمله وعلاقاته، فليجعل الرفق منهجًا ثابتًا لا سلوكًا عابرًا.
إننا اليوم أحوج ما نكون إلى الرفق في بيوتنا، وفي بيئات العمل، وفي منصات التواصل، وفي كل مساحة يجتمع فيها الناس. فالكلمة اللينة لا تُنقص الهيبة، والابتسامة لا تُضعف المكانة، والرحمة لا تتعارض مع الحزم، بل تمنحه بُعدًا إنسانيًا يجعله أكثر قبولًا وتأثيرًا.
فالخير لا يُحرم الإنسان منه دفعةً واحدة، وإنما قد يبدأ حين يفقد الرفق في كلماته وأحكامه وتعاملاته مع الآخرين. ومن جعل الرفق خُلقًا دائمًا فتح الله له من أبواب الخير ما لا يفتحه للعنف والشدة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الخَيْرَ».