عبدالكريم بن دهام الدهام
تتزاحم الغصات في الحناجر حين يباغتنا الموت باختطاف أولئك الذين يشبهون النسمات الباردة في هجير الحياة.
بالأمس القريب، غيَّب الموت وجهاً ألوفاً، وقلباً نقياً، وقامة إعلامية وإنسانية فذّة؛ غادرنا الإعلامي القدير عبدالعزيز بن صالح العنبر بعد رحلة قصيرة ومعاناة صامتة مع المرض، تاركاً خلفه إرثاً من المحبة والذكريات التي لا تمحوها الأيام، وفراغاً موجعاً في قلوب عائلته، وأقاربه، وكل من عرفه أو مرَّ في مدار حياته الطيب.
لم يكن الفقيد الراحل مجرد عابر في خطوط الإعلام والكلمة، بل كان علامة فارقة في مهنية الأداء، ومثالاً يُحتذى في الوعي والثقافة والوطنية الصادقة. كان مسكوناً بحب مهنته، مخلصاً لرسالته، ينشر الوعي والجمال أينما حلَّ، ويمنح الحضور أناقة لا تتكلف، بل تنبع من فيض روحه الكريمة، وثقافته الواسعة، وحديثه العذب الذي يشفي الصدور ويأسر القلوب.
لكن الوجع الأكبر اليوم ليس على غياب المعطاء المهني، بل على رحيل الإنسان الذي تجسدت فيه أسمى معاني النبل والوفاء. فمن يعوض تلك الابتسامة الدائمة والبشاشة التي كانت تسبق خطاه؟ ومن يملأ مكان ذلك الرجل الزاهد المتواضع الذي عاش بين الناس خفيفاً، رقيق المشاعر، قريباً من الصغير والكبير؟ لقد كان الراحل باراً بوالدته، مقبلاً عليها بقلبه وروحه، واصلاً لرحمه، باسطاً كف الود والتواصل مع أهله وأقاربه، لا يقطع وصلاً، ولا يرد سائلاً، ولا يتوانى عن بث الفرح في محيطه.
حين التفت الجميع لوداعه الأخير، وصلوا عليه في جامع الملك خالد بن عبدالعزيز، ثم واروه الثرى في مقبرة عرقة، لم تكن الأجساد وحدها من تشيعه، بل كانت دعوات المئات، ودموع المحبين، وكلمات النعي المؤثرة التي فاضت بها القلوب قبل الألسن، تستذكر خصاله الكريمة وسيرته العطرة التي ستبقى حية في الذاكرة، تُروى للأجيال كقصة رجل عاش نبيلاً ورحل نقياً.
إن العزاء الوحيد في هذا الفقد العظيم هو ما تركه الراحل من أثر طيب وذكر حسن، فالناس شهداء الله في أرضه، وهذا الثناء الصادق الذي يملأ المدى هو عاجل بشرى المؤمن. نودعه بقلوب يعتصرها الألم، وعيون تدمع، ولكننا مؤمنون بقضاء الله وقدره، مستسلمون لمشيئته.
اللهم أسكن عبدالعزيز بن صالح العنبر فسيح جناتك، واجعله في مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً. اللهم جازه بالحسنات إحساناً، وبالسيئات عفواً وغفراناً، واجعل مرضه طهوراً ورفعةً في درجاته، وصب الصبر والسلوان على قلوب أفراد عائلته الكريمة ومحبيه، واربط على أفئدتهم في هذا المصاب الجلل. {إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ}.