د. عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز الفاضل
ليست قيمة الإنسان فيما يطول من عمره، وإنما فيما يعمر به عمره من إيمان، وعمل صالح، وأثر نافع. فمن الناس من تمضي السنون فلا يبقى منها إلا الذكر العابر، ومنهم من يبارك الله في حياته، فإن رحل بقي حاضرًا في دعوات الناس، وسيرته التي تتناقلها الأجيال.
ومن هؤلاء الشيخ محمد بن عبدالعزيز السليم (أبو سعود)، الذي ودعت محافظة مرات أحد رجالاتها ووجهائها وعميد أسرة السليم، بعد عمر ناهز المئة عام، أمضاه في عبادة الله، والإحسان إلى خلقه، وخدمة مجتمعه، حتى غدا اسمه مقترنًا بالخير، والوفاء، والكرم، وحسن السيرة.
ولم يكن أبو سعود ممن تُخلِّدهم المناصب أو الألقاب، وإنما ممن تُخلِّدهم الأعمال؛ فقد عُرف بورعه وتقواه، وصدق صلته بربه، وسعة إحسانه، حتى غدت آثار عطائه ماثلةً في المساجد التي شيدها، والأوقاف التي أوقفها، والمشروعات التي دعمها، والقلوب التي أحبته، والألسنة التي لا تزال تلهج له بالدعاء.
لقد آمن أن خير ما يخلِّفه الإنسان بعد رحيله عملٌ صالح، وولدٌ صالح، وذكرٌ حسن، فجعل حياته ترجمةً صادقة لهذه المعاني، فجمع في سيرته بين صدق العبادة، وسعة البذل، ودوام الوقف، وخدمة المجتمع، وحسن التربية، فاستحق أن يُذكر بالخير في حياته، وأن يُدعى له بالرحمة بعد وفاته.
ولعل السر في ذلك القبول الذي أكرم الله به الشيخ محمد بن عبدالعزيز السليم، وما تركه من أثرٍ طيب في نفوس الناس، يعود -بعد فضل الله- إلى صلته الوثيقة بربه، فقد كانت العبادة عنده منهج حياة، لا عادةً عابرة. وكان محافظًا على ورده اليومي من كتاب الله بعد صلاة العصر، فلا ينصرف عنه حتى يتمه، مهما تعددت الأشغال أو تتابع الزائرون.
وعُرف بقيام الليل أعوامًا طويلة، يناجي ربه قبل الفجر بساعات، حتى أقعده المرض وأضعف الجسد، وبقي القلب عامرًا بالإيمان، متعلقًا بالطاعة. كما كان يُكثر من صيام النافلة في خفاء، لا يبتغي بذلك إلا وجه الله، في صورة من صور الإخلاص التي لا يطلع عليها إلا الله، ثم يفيض أثرها سكينةً في النفس، وبركةً في العمل، ومحبةً في قلوب الناس.
ولعل هذه الصلة الصادقة بالله كانت المنبع الذي تدفقت منه أعماله كلها؛ فما عُرف عنه من كرم، وما أقامه من أوقاف، وما بذله في خدمة الناس، لم يكن إلا ثمرة قلبٍ امتلأ بالإيمان، فاستقامت الجوارح على البذل، واستمر العطاء حتى آخر أيام حياته.
ولم يكن عطاؤه مقصورًا على الإحسان المباشر، بل آمن بأن خير العطاء ما امتد نفعه، وبقي أثره بعد رحيل صاحبه. لذلك اتجه إلى الوقف، وجعله سبيلًا لبقاء العمل الصالح واستمرار نفعه، فكان من أولئك الذين عمروا حياتهم بما ينفع الناس في حياتهم وبعد مماتهم.
فشيَّد خمسة مساجد، كان أولها في محافظة مرات وهو في نحو الخمسين من عمره، وختمها بجامع في حي النرجس بمدينة الرياض، افتتح في العام الماضي. كما أوقف عمارتين في محافظة مرات لصالح الجمعية الخيرية لتحفيظ القرآن الكريم منذ ما يقارب عشرين عامًا، وأوقف عددًا من العقارات، وجعل مزرعته وقفًا على أبنائه، لتظل ملتقى يجمعهم بأبنائهم وأحفادهم، في صورةٍ تجسد حرصه على بقاء الألفة، وتعميق صلة الرحم، وترسيخ معاني التماسك الأسري.
ولم تكن هذه الأوقاف أعمالًا متفرقة، بل كانت تعبيرًا عن رؤيةٍ بعيدة، وإيمانٍ راسخ بأن خير المال ما بقي نفعه، وخير العمر ما امتد أثره. ولذلك ظل بابه مفتوحًا للمحتاج، ولأعمال البر، وللمشروعات الخيرية، يبذل في هدوء، ويعطي في إخلاص، راجيًا ما عند الله، غير ملتفت إلى ثناء الناس أو جزائهم.
ولم يقف عطاؤه عند حدود العمل الخيري والوقف، بل امتد إلى خدمة محافظة مرات، التي أحبها وأخلص لها، فكان حاضرًا في كثير من المبادرات التي أسهمت في نهضتها، مؤمنًا بأن خدمة الوطن تبدأ بخدمة البلدة، وأن تنمية المجتمع مسؤولية يتقاسمها أبناؤه المخلصون.
وقد كان له إسهام بارز في دعم مسيرة التعليم في المحافظة منذ سنواتها الأولى، فأسهم في توفير مقرات لعدد من المدارس في مراحل مختلفة، كما وفر مقرات لعدد من الجهات الحكومية والخدمية، فكان حاضرًا حيث تدعو الحاجة، مبادرًا إلى البذل قبل أن يُطلب منه، واضعًا إمكاناته في خدمة المصلحة العامة.
ولم تقتصر جهوده على ذلك، بل شارك مع عدد من وجهاء المحافظة في متابعة احتياجاتها، ورفع مطالبها إلى ولاة الأمر، إيمانًا منه بأن المشاركة الإيجابية في تنمية المجتمع صورة من صور المواطنة الصادقة، وأن خدمة الناس من أجلِّ وجوه القربات.
كما عُرف بروح المبادرة والريادة، فكان أول من استخرج سجلًا تجاريًا في محافظة مرات، وأول من أدخل بعض الآلات الزراعية الحديثة إلى المنطقة، في وقت كانت تلك المبادرات تمثل خطوةً مهمة نحو تطوير النشاط الزراعي، وتعزيز أسباب التنمية.
وهكذا لم يكن أثره مقصورًا على بناء مسجد، أو إقامة وقف، أو مساعدة محتاج، بل امتد إلى الإسهام في بناء مجتمع، ودعم مؤسساته، ومساندة مسيرته التنموية، حتى أصبح اسمه حاضرًا في ذاكرة مرات، مقترنًا بكل عملٍ نافع، وكل مبادرةٍ صادقة، وكل أثرٍ بقي بعد صاحبه.
وإذا كانت أعمال الشيخ محمد بن عبدالعزيز السليم شاهدةً على إحسانه، فإن أخلاقه كانت أعظم شاهدٍ على معدنه. فقد جمع بين الهيبة والتواضع، فكان موقرًا في المجالس، قريبًا من الناس، بشوش الوجه، لين الجانب، طيب الحديث، حتى اجتمع له من المحبة ما لا تجتمع إلا لمن أحسن إلى ربه، فأحسن الله منزلته في قلوب عباده.
وكان كريم النفس قبل أن يكون كريم اليد، يرى في قضاء حوائج الناس بابًا من أبواب القرب إلى الله، فلا يرد محتاجًا ما استطاع إلى ذلك سبيلًا، ولا يتأخر عن دعم مشروع خيري أو عمل نافع. ولم يكن إحسانه مقصورًا على معارفه أو ذوي رحمه، بل شمل العاملين معه، فكان يعاملهم برحمة، ويتعاهدهم بالرعاية، ويعينهم ويعين أسرهم، حتى بادلوه محبةً خالصة، ووفاءً صادقًا.
وكان مجلسه مجلس أُلفةٍ ومودة، يجد فيه القريب والبعيد حسن الاستقبال وكرم الضيافة، ويجد فيه الصغير قبل الكبير قلبًا يتسع للجميع. وكان شديد الحرص على صلة رحمه، وجمع أسرته، وتعزيز روابطها، حتى جعل مزرعته وقفًا على أبنائه، لتبقى ملتقىً يجمعهم بأبنائهم وأحفادهم، إيمانًا منه بأن الأسرة المتماسكة هي أول لبنة في بناء المجتمع الصالح.
وهكذا اكتملت في شخصيته خصالٌ قلَّ أن تجتمع؛ عبادةٌ تُزكي القلب، ووقفٌ يمتد نفعه، وإحسانٌ يشمل الناس، وتواضعٌ يزيد صاحبه رفعة، حتى غدا ذكره مقترنًا في مجالس من عرفوه بالوفاء، والكرم، وحسن السيرة، وجميل الأثر.
وهكذا تنقضي الأعمار، ولا يبقى منها إلا ما عُمِّرت به من إيمان، وعمل صالح، وأثر نافع. فالأموال تفنى، والمناصب تزول، أما المساجد التي تُعمر بذكر الله، والأوقاف التي يمتد نفعها، والقلوب التي أُحسن إليها، والسيرة التي يلهج الناس بذكرها، فذلك هو الباقي الذي يكتبه الله لعباده الصالحين.
وقد كان الشيخ محمد بن عبدالعزيز السليم واحدًا من أولئك الرجال الذين جمعوا بين صلاح السريرة، وحسن العمل، ونفع الناس، فلم يكن الخير عنده شعارًا يُرفع، بل منهجًا عاشه، ورسالةً أدى حقها ما استطاع إلى ذلك سبيلًا. ولذلك لم يكن رحيله فقدًا لأسرته ومحبيه فحسب، بل كان فقدًا لمحافظة مرات التي عرفت فيه رجلًا صادقًا، أسهم في خدمة أهلها، وشارك في نهضتها، وترك فيها آثارًا باقية تشهد له، وتدعو له.
ولعل أعظم ما يورثه الإنسان بعد رحيله أن تتحول سيرته إلى قدوة، وأن يبقى ذكره باعثًا على الاقتداء، ودافعًا إلى البذل والإحسان، وأن يلهج الناس بالدعاء له كلما مروا بمسجد شيده، أو وقفٍ أقامه، أو خيرٍ أسهم فيه. وذلك -فيما نحسب، والله حسيبه- مما نرجوه للشيخ محمد بن عبدالعزيز السليم.
وفي ختام هذا المقال، نتقدم بخالص العزاء وصادق المواساة إلى أبنائه الكرام: سعادة اللواء المهندس سعود، والأستاذ خالد، والأستاذ عبدالله، والأستاذ بدر، وسعادة الأستاذ الدكتور صالح، والأستاذ حمد، والأستاذ أحمد، والأستاذ بندر، وإلى الدكتورة منى، وإلى بناته الكريمات، وإلى أسرة السليم كافة، وإلى آل مغيرة، وإلى أهالي محافظة مرات، سائلين الله تعالى أن يجبر مصابهم، وأن يحسن عزاءهم، وأن يبارك لهم فيما خلَّفه والدهم من سيرةٍ عطرة، وإرثٍ كريم، وأعمالٍ صالحة.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له، ويرفع درجته في المهديين، وأن يجعل قبره روضةً من رياض الجنة، وأن يجزيه عن بناء المساجد، وإقامة الأوقاف، وخدمة الناس، وخدمة محافظة مرات، خير الجزاء، وأن يجعل ذلك كله في موازين حسناته، وأن يحفظ ذريته، ويبارك في عقبه، ويجمعهم على الخير، ويجعلهم خير امتدادٍ لوالدهم في البر والإحسان.
رحم الله أبا سعود.. فقد انقضى عمره، ولم ينقض أثره، وغاب شخصه، ولم تغب سيرته، وسيبقى ما شيده من مساجد، وما أوقفه من أوقاف، وما غرسه في أسرته ومجتمعه، شاهدًا له عند الناس، ورجاءً له - بإذن الله - عند رب الناس.