د.إبراهيم بن عبدالله السماري
هذا عنوان أمسية ثقافية قدَّمها الراوي الأستاذ أحمد بن عبدالعزيز السماري في سبتية الجريفة لصاحبها الأستاذ إبراهيم بن محمد التويم، لتأكيد أن الثقافة ليست ترفًا، بل إحدى وسائل الإنسان لفهم نفسه والعالم الذي يعيش فيه. وقد استوقفني عنوان الأمسية: «الرواية مختبر الإنسان وأسئلة الوجود» لأنه نقل الرواية من كونها حكاية تُروى إلى كونها تجربة تُعاش ورُؤَى تُستنتَج ، ومن نص يُقرأ إلى مرآة يرى الإنسان فيها نفسه بكل تناقضاتها، ومن عدة صفحات إلى فضاء رحب لاختبار الإنسان وقلقه وأسئلته الكبرى.
كما وجدت العنوان يحمل بعدًا فلسفيًا وجماليًا، مما يَفْرِض أن يحمل هذا المقال ذوقاً أدبياً ليكون نافذة للحوار تدعو إلى التأمل والإجابة، لا مُلخَّصاً للمحاضرة، ومبتعداً عن اللغة الأكاديمية الجافة، فنبتت في ذهني عدّةُ أسئلة تفتح أبواب التأمل أكثر مما تقدم أجوبة جاهزة، ولا تكتفي بالمباشر، بل تفتح أبواب التأويل، لتصبح أقرب إلى التأمل الفلسفي منها إلى الاستفهام التقليدي، لعل من أهمها: إذا كانت الرواية مختبرًا للإنسان، فهل وظيفة الروائي هي البحث عن الإجابات؟ أم تعميق الأسئلة؟ وهل تنجح الرواية حين تُطْمِئن القارئ؟ أم حين تُقْلِقُه وتتركه يعيد النظر في يقيناته؟
يرى البعض أن الرواية العربية اليوم تبدو أكثر جرأة في الاقتراب من الأسئلة الوجودية الكبرى: الحرية، والهوية، والموت، والاغتراب، والمعنى. لكن ثَمَّة من يرى أن الإغراق في الفلسفة قد يُضعف حرارة السرد ويُثقِل الرواية، بينما يرى آخرون أن الرواية التي لا تُقْلِق الفكر ليست سوى حكاية جميلة. والسؤال المُثار هنا: كيف يوازن الروائي بين متعة السرد وعمق الفكرة؟ ومتى تتحول الفلسفة داخل الرواية من عنصر إثراء إلى عبء فني يُثْقِل النص؟ وهل الرواية تغيّر الإنسان بالفعل؟ أم أنها لا تصنع سوى قارئ أكثر وعيًا بذاته وبالعالم من حوله؟ مع الاعتراف بأن أفكار ميخائيل باختين، وميلان كونديرا، وبول ريكور حول الرواية والوجود لامَسَتْ بعض إجاباتِ هذه الأسئلة.
وأعود إلى عنوان الأمسية حيث اتضح لي أن المحاضر لا يُنتِج حقائق نهائية، بل يختبر الفرضيات ويعيد مساءلتها، فهل طبيعة الرواية فعلاً أنها لا تمنح الإنسان أجوبة بقدر ما تكشف هشاشة أجوبته السابقة؟ ثم أود أن أطرح تساؤلاً ربما يتجاوز الرواية إلى فلسفة الكتابة ذاتها: هل الرواية تُعيد اكتشاف الإنسان، أم تُعيد اختراعه؟ أقصد بذلك أن الشخصية الروائية ليست الإنسان كما هو في الواقع، وإنما الإنسان بعد أن يمر عبر مخيلة الكاتب ولغته ورؤيته للعالم، فهل يصبح الروائي في هذه الحالة كاشفًا للحقيقة الإنسانية، أم مُبْدِعاً لحقيقة موازية لا وجود لها إلا داخل النص؟ ويستدعي هذا سؤالاً آخر طالما شغلني عند قراءة الروايات الكبرى: هل القيمة الحقيقية للرواية تكمن في قدرتها على تمثيل الواقع، أم في قدرتها على كشف ما يعجز الواقع نفسه عن الإفصاح عنه؟ فكم من حقيقةٍ لم ندركها بالتاريخ ولا بالفلسفة، لكننا أدركناها من خلال شخصية روائية عاشت في صفحات كتاب ولم تُعَش على الأرض. وهنا لا بد أن أشيد بجهود دارة الملك عبدالعزيز، التي أذكر أنها تَبَنَّتْ مشروعاً ثقافياً رائعاً حول الرواية التأريخية وتوثيقها؛ في بناء فني فلسفي مقنع ومؤثّر.
وأستحضر هنا مقولة ميلان كونديرا بأن الرواية لا تبحث عما حدث، وإنما تستكشف ما كان يمكن أن يحدث للإنسان. وكأن الرواية ليست أرشيفًا للحياة، بل هي مختبرٌ للاحتمالات الإنسانية، وهذا هو ما حاولت محاضرة هذه الأمسية الوصول إليه، ومهدت الطريق لأبحاث ورؤى أشمل عنه.
ولهذا أود أن أسأل: هل الرواية العربية اليوم ما زالت منشغلة بتفسير المجتمع؟ أم أنها بدأت تنتقل إلى سؤال الإنسان بوصفه إنسانًا بعيدًا عن الحدود الأيديولوجية والسياسية والاجتماعية التي هيمنت طويلًا على السرد العربي؟
وإذا كانت الفلسفة تبدأ بالسؤال، وكانت الرواية تنتهي غالبًا بسؤال أكبر من بدايتها، فهل يمكن القول: إن الرواية هي الشكل الأدبي الأكثر قدرة على ممارسة الفلسفة دون أن تُسمّي نفسها فلسفة؟ حيث يرى الناقد الروسي ميخائيل باختين أن الرواية هي الفن الوحيد الذي لم يكتمل بعد، لأنها تنمو مع نمو الإنسان، بينما يرى الفيلسوف بول ريكور أن الإنسان لا يفهم نفسه إلا من خلال السرد، فهل يصح القول: إن الرواية لا تكتفي بتمثيل الهوية الإنسانية، بل تُنتجها؟ بمعنى آخر: هل نحن نكتب الرواية، أم أن الرواية -بعد اكتمالها- تعيد كتابة مؤلفها وقارئها معًا؟ وهل خرج الروائي يومًا من كتابة رواية وهو يشعر أن الشخصية التي أبدعها أصبحت تعرف عنه، أكثر مما كان يعرفه عن نفسه؟
أعلم أن السؤال الذي يبقى في ذاكرة المجالس الثقافية ليس السؤال الذي يطلب معلومة، وإنما الذي يضع المتحدث أمام مفارقة فكرية، ومن أجمل مفارقات الرواية أنها ـ كما قال كونديرا ـ لا تُدافع عن الحقيقة، بل عن حقائق البشر المتعددة؛ ولذلك فإن الرواية الناجحة لا تقول للقارئ: هذه هي الحقيقة، وإنما تقول له: انظر لعل الحقيقة أوسع مما كنت تظن!
وأحسب أن مثل هذا الأفق يستحق ندواتٍ أكثر، وأبحاثاً أعمق، وأرى في وراق الجزيرة وورَّاقيها بركة وثمرة قادرة على منح الحوار عمقًا يوازي عمق أسئلة هذا المقال.
وبالله التوفيق.