د. عبدالمحسن الرحيمي
في صباح واحد، قد يجتمع مجلسا إدارة في شركتين تعملان في القطاع نفسه، يناقشان المشكلة نفسها، ويستعرضان الأرقام ذاتها. وبعد أعوام قليلة، تتحول إحداهما إلى نموذج في النمو والابتكار، بينما تنشغل الأخرى بإعادة الهيكلة حتى تصبح الأزمة جزءًا من ثقافتها المؤسسية. وقد تواجه دولتان التحديات الاقتصادية نفسها، فتجعل إحداهما منها مشروعًا لإعادة بناء الاقتصاد، بينما تكتفي الأخرى بإدارة آثارها عامًا بعد عام. وتتكرر الصورة في الجامعات، والجهات الحكومية، والمنظمات غير الربحية، وحتى في المنتخبات الوطنية. تتشابه الأحداث، لكن المستقبل لا يتشابه أبدًا.
هذه المفارقة ليست استثناءً في عالم القيادة، بل تمثل إحدى أكثر ظواهره حضورًا. فالتعثر لا يميز بين مؤسسة كبيرة وأخرى صغيرة، ولا بين حكومة متقدمة أو نامية، ولا بين قطاع ربحي أو غير ربحي. ومع ذلك، فإن النتائج تختلف بصورة لافتة. فبينما تنجح بعض المؤسسات في تحويل التعثر إلى نقطة انطلاق، تبقى مؤسسات أخرى أسيرة له سنوات طويلة. ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل القيادات ليس: كيف نتجنب التعثر؟ بل: لماذا يتحول التعثر في بعض المؤسسات إلى فرصة، بينما يتحول في مؤسسات أخرى إلى عبء دائم؟
اعتادت الأدبيات الإدارية تفسير النجاح بعوامل مثل جودة التخطيط، وكفاءة التنفيذ، وتوافر الموارد، وقوة القيادة. وهي جميعًا عوامل مؤثرة، لكنها لا تفسر وحدها اختلاف النتائج عندما تواجه مؤسسات متشابهة الظروف نفسها. فالتاريخ الإداري يقدم نماذج لمؤسسات خرجت من أزمات هددت وجودها ثم استعادت ريادتها، كما يقدم نماذج أخرى امتلكت الموارد والخبرات نفسها، لكنها بقيت تدور في حلقة مفرغة من تفسير أسباب الإخفاق. ويشير ذلك إلى أن الفارق الحقيقي لا يبدأ عند الأزمة، بل عند الطريقة التي تُقرأ بها.
فالوقائع لا تتحول مباشرة إلى قرارات، وإنما تمر أولًا بعملية تفسير تمنحها معناها. ومن هذا المعنى تتحدد الأولويات، وتُراجع الفرضيات، وتُبنى القرارات. ولهذا قد تواجه مؤسستان المؤشرات نفسها، ثم تنتهيان إلى إستراتيجيتين مختلفتين، لأن الاختلاف لم يكن في البيانات، بل في الإطار الذي فُهمت من خلاله.
ومن هنا يمكن النظر إلى التعثر بوصفه اختبارًا للنموذج القيادي أكثر من كونه اختبارًا للنموذج التشغيلي. ففي فترات الاستقرار تتحول النجاحات السابقة إلى قناعات راسخة، وتكتسب الممارسات الإدارية شرعية تجعل مراجعتها أقل حضورًا. لكن التعثر يعيد فتح الأسئلة التي أغلقتها النجاحات السابقة؛ فلا يكشف ضعف التنفيذ فقط، بل يكشف حدود النموذج الذي قاد ذلك التنفيذ. ولذلك فإن المؤسسات التي تكتفي بإصلاح الإجراءات قد تستعيد جزءًا من أدائها، لكنها غالبًا ما تعيد إنتاج أسباب التعثر بصورة مختلفة.
وقد أشار الباحث كارل ويك إلى أن المنظمات لا تستجيب للوقائع كما هي، بل للطريقة التي تفسر بها تلك الوقائع. وربما يفسر ذلك لماذا تنتج الأزمة الواحدة قرارات مختلفة داخل مؤسسات متشابهة؛ لأن جودة القرار تبدأ من جودة القراءة قبل أن تبدأ من جودة التنفيذ.
وتؤكد التجارب العالمية هذه الحقيقة. فعندما واجهت شركة تويوتا أزمة استدعاء ملايين المركبات، لم تقتصر استجابتها على معالجة الخلل الفني، بل أعادت تصميم منظومة الجودة، ومنحت العاملين صلاحيات أوسع للإبلاغ عن المخاطر، وربطت التحسين المستمر بجميع مستويات العمل. ولم يكن التحول الحقيقي في إصلاح الخطأ، بل في مراجعة النموذج الإداري الذي سمح بحدوثه. كما أن اليابان لم تحقق نهضتها بعد الحرب العالمية الثانية لأنها أعادت بناء ما تهدم فقط، بل لأنها أعادت صياغة منظومة التعليم والإدارة والصناعة وفق رؤية جديدة للمستقبل. وفي المملكة العربية السعودية، لم تُقرأ التحولات الاقتصادية باعتبارها استجابة مؤقتة لتحديات الأسواق، بل باعتبارها فرصة لإعادة تعريف نموذج التنمية، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز الاستثمار في الإنسان والابتكار والتقنية.
تقود هذه التجارب إلى ما أراه مفهومًا يستحق مزيدًا من الاهتمام، وهو الاستجابة القيادية للتعثر. والمقصود بها العملية التي تعيد فيها القيادة تفسير التعثر قبل أن تبدأ في معالجته. ففي هذه المرحلة لا تُراجع الخطط وحدها، بل تُراجع الفرضيات، ويُعاد تعريف المشكلة، وتُختبر النماذج الذهنية التي قادت إلى القرارات السابقة. فالقرار الجديد لا يبدأ عند اعتماده، بل يبدأ عندما يتغير الفهم الذي يستند إليه. وتقوم هذه الاستجابة على ثلاث مراحل مترابطة: إعادة تفسير الحدث بعيدًا عن الانطباعات الأولية، ومراجعة الفرضيات التي قادت إليه، ثم تحويل المعرفة المتولدة عنه إلى قرارات وممارسات جديدة. وعندما تُهمل إحدى هذه المراحل، تصبح الأزمة حدثًا يتكرر بصور مختلفة، أما عندما تكتمل، فإن التعثر يتحول إلى فرصة لإعادة بناء المؤسسة على أسس أكثر قدرة على التكيف.
ومن هنا تتفرع الاستجابة القيادية إلى مسارين مختلفين. يبدأ المسار الأول عندما يتحول الماضي إلى المرجع الرئيس لكل قرار جديد. تتكرر الاجتماعات، وتتضخم التقارير، ويزداد التركيز على تفسير أسباب الإخفاق أكثر من البحث عن الفرص التي كشفها. وفي البداية يبدو ذلك جزءًا طبيعيًا من المراجعة، لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح المراجعة غاية في ذاتها، وتتوقف المؤسسة عند حدود تفسير الماضي دون أن تنتقل إلى إعادة بناء المستقبل.
هنا يظهر الاجترار الفكري المؤسسي. وهو لا يعني كثرة التفكير، بل تكرار التفكير في الوقائع نفسها دون إنتاج معرفة جديدة. ويمكن التعرف إليه عندما تصبح الاجتماعات أكثر من القرارات، والتقارير أكثر من المبادرات، واللجان أكثر من الحلول، ويغدو طلب المزيد من المعلومات وسيلة لتأجيل القرار بدلًا من تحسينه. ومع مرور الوقت، تصبح المؤسسة أكثر قدرة على تفسير أخطائها، وأقل قدرة على اكتشاف فرصها، فتتحول الذاكرة المؤسسية من مصدر للتعلم إلى قيد على التجديد.
أما المسار الثاني فيبدأ عندما تنظر القيادة إلى التعثر بوصفه مصدرًا للمعرفة، لا مجرد مصدر للخسارة. فكل أزمة تكشف معلومات لم تكن متاحة في ظروف الاستقرار، وتظهر قدرات لم تكن مستثمرة، وتفرض أسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل. وعندما تُدار هذه المعرفة بصورة صحيحة، تتحول إلى مورد استراتيجي يعيد تشكيل مستقبل المؤسسة.
ومن هنا يبرز مفهوم تحفيز الكمون الإبداعي. فالتعثر لا يصنع الإبداع، لكنه يوقظ الإمكانات التي كانت كامنة داخل المؤسسة. فالخبرات المتراكمة، والكفاءات غير المستثمرة، والأفكار المؤجلة، والشراكات التي لم تجد فرصتها، قد تتحول جميعها إلى مصادر للحلول عندما تعجز النماذج القديمة عن الاستجابة للواقع الجديد. ولذلك فإن القيادة لا تبدأ بالبحث عن موارد إضافية، بل بإعادة تنظيم المعرفة الموجودة داخل المؤسسة، وتمكين الكفاءات، وإعادة توظيف الخبرات في سياقات أكثر ملاءمة.
تنسجم هذه الرؤية مع ما توصلت إليه الباحثة إيمي إدموندسون، التي أوضحت أن المؤسسات التي تتعامل مع الإخفاق بوصفه فرصة للتعلم تحقق مستويات أعلى من الابتكار والمرونة مقارنة بالمؤسسات التي تنشغل بالبحث عن المسؤول عن الخطأ. فالتعلم لا يحسن الأداء الحالي فحسب، بل يرفع جودة القرارات المستقبلية، ويزيد قدرة المؤسسة على التكيف مع المتغيرات.
ومن هنا لا تصبح الوظيفة الأساسية للقيادة إدارة الأزمة، بل إدارة المعنى الذي تمنحه لها. فالمعنى يحدد الأسئلة، والأسئلة تنتج المعرفة، والمعرفة تعيد تشكيل القرار، والقرار يصوغ مستقبل المؤسسة. ولهذا فإن الفارق الحقيقي بين القيادات لا يظهر في سرعة الاستجابة، بل في جودة التفكير الذي يسبقها.
عندما تتعثر المؤسسات، فإنها لا تواجه اختبارًا لقدرتها على تجاوز أزمة عابرة، بل اختبارًا لطريقة تفكيرها. فالأزمات تنتهي، أما النماذج القيادية التي تكشفها الأزمات فتبقى مؤثرة في كل قرار لاحق. ولهذا لا يصبح التعثر نقطة تحول لأن الظروف تغيرت، بل لأن القيادة امتلكت الشجاعة لتغيير الطريقة التي كانت ترى بها تلك الظروف. فالخطأ قد تتجاوزه معظم المؤسسات، أما النموذج الذي أنتج الخطأ فلا يتجاوزه إلا القليل. ومن هنا لا يصبح التعثر نهاية لمسار القيادة، بل اللحظة التي يُعاد فيها بناء الطريقة التي تُصنع بها القرارات، ومنها يبدأ المستقبل.