طارق مصطفى القزق
اعتدنا منذ الصغر مشاهدة أفلام الرسوم المتحركة الأمريكية مثل (دونالد داك) أو اليابانية (بوكيمون)، ولكن في الآونة الاخيرة ظهر على الساحة أحد المسلسلات الروسية وهو ماشا والدب. وتحكي قصة هذا الفيلم عن فتاة صغيرة ذات عينين زرقاوين ترتدي الزي الشعبي الروسي (السلافي)، وهو الحجاب الأحمر والعباءة الحمراء، وتظهر قدراً كبيراً من البراءة والعفوية المتلازمتين طوال حلقات المسلسل، والتي كان ينزعج من أفعالها الدب. ويعد الدب (ميدفيد) طوطما في الثقافة الروسية، وهذه الثنائية ترمز للروح الروسية المليئة بالقوة والجمال والشقاوة.
وأكثر ما لفت انتباهي للسياسة الروسية خاصة أجهزتها العسكرية الأمنية مثل (SVR) أو (GRU) هو استعمال النساء الشقراوات في عمليات التجنيد والتجسس، والفارق بين ماشا الواقعية والخيالية هو أنها في المسلسل (ماشا) كانت تشاكس الدب ولكن (ماشا) الحقيقية تطيع الدب.
إن استعمال النساء في عمليات التجنيد والتجسس لم يكن ظاهرة حديثة بل قديمة ويمكن ان نعطي بعض الأمثلة: (دليلة) اليهودية مع القاضي (شمشون)، واشتهر الموساد الإسرائيلي باستخدام النساء في التجنيد والتجسس وتعد (تسيبي ليفني) أشهر الجواسيس المعاصرين، وكذلك في كوريا الشمالية قتل شقيق (كم) على يد امرأة، ولا يمكن إغفال الجواسيس الأمريكيين واللاتي كن يذهبن إلى العالم العربي والإسلامي تحت شعار البحث العلمي، وكان بعضهن يعلن إسلامه كما فعلت الباحثة(كاثرين) في إيران ويقابلها (مونيكا) في جهاز مكافحة التجسس الأمريكي التي ذهبت إلي إيران بعد اعتناقها الإسلام.
اشتهرت روسيا بتجنيد العملاء الروسيات (ماشا) خاصة في أمريكا، مثل العميلة الروسية (آنا تشابمان)، وهي نوع من العملاء يُسمى (SLEEPER AGENT) وهم من العملاء الذين يعيشون بشكل طبيعي في البلد المستهدف، ويتقلدون مناصب سياسية وحكومية حساسة مؤثرة في صنع القرار، ويرسلون المعلومات إلى بلادهم عبر أجهزة تشفير. وكانت تسعى (آنا تشابمان) إلى تحديد الأشخاص الذين يمكن تجنيدهم للعمل مع المخابرات الروسية (SVR) إلى أن تم اعتقالها وترحيلها إلى روسيا بصفقة تبادل عام 2010. بالإضافة إلى هذه يمكننا ذكر (ماريا بوتينا) التي اعتقلتها الولايات المتحدة عام 2018 بتهمة التجسس لصالح الروس.
دور ماشا في الحرب الروسية الأوكرانية
في فبراير عام 2022 أعلن الرئيس (بوتين) بدء العملية العسكرية الروسية الخاصة على أوكرانيا، والتي استخدم فيها القوات الروسية المحترفة، وعلى الرغم من ضراوة الحرب الروسية الأوكرانية والدعم الغربي لها بالمال والسلاح، إلا أن العنصر البشري (وقود الحرب) لم يكن كافياً للطرفين للاستمرار بالحرب، فأعلن (زيلينسكي) الترحيب بالمقاتلين الأجانب كافة للقتال بجانب أوكرانيا والدفاع عنها، وشكّل ما يُعرف بـ»الفيلق الدولي للدفاع الإقليمي عن أوكرانيا»، وأعلنت روسيا في المقابل دعم وتسليح المقاتلين المرتزقة الراغبين في الدفاع عن جمهوريات (دونباس) و(لوغانسك)، وأعلنت أيضاً عن عدم تسليمهم ومنحهم الجنسية الروسية.
كانت هذه الإعلانات -المخالفة للقانون الدولي عام 1977 الذي يجرم الارتزاق-، باباً لظهور أنواع من المرتزقة في هذه الحرب، ولكن سأذكر أهم نوعين وهما:
الأول: الأيديولوجي
من الجانب الأوكراني ذهب الكثير من الأوروبيين للدفاع عن أوكرانيا وعن الديمقراطية من ناحية، ومن ناحية أخرى ذهب كل ما هو معادٍ لروسيا وللسوفيت، مثل مرتزقة من بولندا وجورجيا والشيشان التي تقاتل الأخيرة تحت ما يعرف بجماعات «الشيخ منصور».
هذا العداء هو نتيجة لما اقترفه السوفيت سابقاً والروس حالياً في حق هذه الشعوب حسب رأي هؤلاء المجموعات. أما من الجانب الروسي فإن الروح السوفيتية ما زالت تسري في أعماق بعض شعوب الجمهوريات السوفيتية رافعة العلم الأحمر. وتبرر قوات «أحمد قاديروف» والمعروفة باسم «أحمد سيلا» الشيشانية وجودهم في أوكرانيا لأسباب دينية وقومية باعتبارهم جزءًا من الوطن الروسي ولقتالهم «بانديرا». ويعترف بوتين بدورهم الرئيسي للدفاع عنه ضد انقلاب «بريغوجين»، وأنهم عصب الدفاع عن روسيا.
ولعب الصراع بين الكنيسة الروسية والأوكرانية دورًا في تعزيز العامل الأيديولوجي للحرب وذهاب الكثير من المرتزقة للحرب الدائرة الآن.
الثاني: الدافع المادي
تحدثت كثير من التقارير الإعلامية عن أن المرتزقة من كلا طرفي النزاع يحصل على ما يقارب 2000 دولار شهرياً، ثمناً لعقده، كان هذا من أحد أهم العوامل الرئيسية لذهاب الكثيرين من الشرق الأوسط وأمريكا اللاتينية وأفغانستان، ولا سيما ممن شاركوا في الحروب الأفغانية الأمريكية أو العراقية والسورية، وما لفت انتباهي هو أن البلد الواحد يخرج منها من هو مؤيد لروسيا ومن هو معادٍ لروسيا، وإنما يتشاركون في نقطة رئيسية هي الجنسية والأموال.
يظهر دور المغفل بشكل واضح عند ذهابه للحرب فإنه يشتكي من قلة التدريب ودفعهم نحو خط النار، تماماً كأي مرتزق، فإن الهدف الرئيسي هو تنفيذ عمليات شديدة الخطورة من الناحية العسكرية، لأنها تتطلب حرق المزيد من الجثث وهو من السهل الحصول عليه في معلبات المرتزقة الجاهزة! سواء كان هذا على الجبهة الروسية أو الأوكرانية، فإن جميع المرتزقة شعروا بأنهم مغفلون وأنهم كانوا تحت مخدر آلة الدعاية الحربية.
ذكر كثير من الشباب العربي عبر منصات التواصل الاجتماعي أنهم كانوا ضحية ابتزاز أو احتيال؛ فإنهم يذهبون إلى روسيا بهدف العمل، ولكنهم يجدون أنفسهم في الجبهة؛ لأن الوسيط أو ماشا يحصل على أموال منهم ومن الجيش الروسي مقابل إرسالهم كمرتزقة، وبسبب ضعفهم في اللغة الروسية فإنهم يوقعون على عقود الانضمام للحرب وليس العمل.
شاهدت كثيراً من الشباب الذين أعرفهم في روسيا يحدثونني عن دور «ماشا» -العميل الذي يحمل كود «إكس» في أوراق التجنيد الروسية- مرة ثانية في تجنيد الشباب من العرب باسم الدراسة أو العمل في روسيا، مستغلين حاجة العرب للمال وإغراءهم للانضمام للجيش الروسي والاستفادة من الجنسية، حتى أن كثيراً من هؤلاء عندما يضيق به الحال في روسيا ولا يجد عملاً فإنه يلتحق بالجيش الروسي.
وعملية الالتحاق بالجيش الروسي ليست بالأمر الصعب، فإعلانات التجنيد منتشرة في جميع أنحاء روسيا، وأيضاً مكاتب التجنيد. ويحصل المجند الروسي على كود «100» مقاتل ومحارب، والمقاتل عليه أن يقضي عاماً كاملاً في جبهات القتال لكي يحصل على الجنسية.
إن سلاح ماشا ليس السلاح الناري، ولكنه سلاح الإغواء عبر الجمال الروسي المسوق عربياً بأنه الأفضل والأغلى في معايير الجمال.
تستخدم (ماشا) قنوات اتصال كثيرة للوصول إلى العرب بهدف التجنيد والاستمالة، وهي عبر قنوات التليجرام أو الإنستجرام و(VK الفي كي)، وإنشاء حسابات وهمية بغرض استمالة العرب نحو تصديق الرؤية الروسية أو الأوكرانية؛ فماشا هي سلافية العرق إذا قمنا بتحديد في اي بلد تكون.
أثناء التقصي والتحقيق (الويب غرافي) لاحظت في الآونة الأخيرة نشاطاً لها على وسائل التواصل الاجتماعي، أرسلت لي إحداهن مدعية تواجدها في تركيا ولكنها كانت تسألني عن معلومات شخصية عني، وبعد إجرائي التحقيق والكشف عن الهوية والموقع وتحليل الصفحة، تبين أنها ماشا ولم تكتفِ بطلب الإضافة بل كررت هذا الأمر مع أصدقاء مشتركين.
ذكر لي أحد الأصدقاء العرب أن كثيراً من العرب يودون السفر إلى روسيا بسبب هذه المرأة لكنهم لا يعرفون ما الذي يمكن أن يحدث لهم، فبعضهم ينضم إلى الحرب. دور هؤلاء النساء قبل الحرب كان في إطار الدبلوماسية الناعمة الروسية بهدف الترويج للثقافة الروسية والسفر للتعلم والدراسة إلى روسيا وحتى الزواج، ولكن بعد الحرب اختلف دورهن تماماً فقد تحول بعضهن إلى ماشا، ولكي لا نصبح مغفلين.
في الختام
فإغواء النساء يمكن أن يكون سبباً في الإيقاع في فخ الحرب أو في فخ التجسس، والنماذج كثيرة ممن باعوا أوطانهم بسبب إغواء النساء. وسائل التواصل المستخدمة في روسيا وأوكرانيا مثل «VK في كي» أرض خصبة للتجنيد، وكذلك المتابعة للمنضمين لهذه الشبكة، شبكة دولية أخرى مثل تيليجرام من أشهر الوسائل المستخدمة في هذه الحرب الدائرة، سواء بالتجنيد أو نشر مقاطع في الجبهتين الروسية والأوكرانية بدون رقابة أو حظر، وتنشر الجبهات الفيديوهات الحصرية والحية في كل المعارك التي يخوضها المتحاربون، للإعلان عن نتائج إحدى المعارك أو السيطرة على مناطق جديدة، هذه الوسيلة لها وظيفة أخرى كامنة وهي اطمئنان أهالي المرتزقة على أحوال أبنائهم؛ لأن الجبهات تنشر القتلى بهدف التفاخر والاستعراض.
** **
ماجستير في مجتمعات وثقافات البحر المتوسط - كاتب وباحث اجتماعي وميداني