عيسى الشاماني
لم تعد عبارة «خليجنا واحد» مجرد أهزوجة تستعاد في المناسبات، أو تعبيرًا عاطفيًا عن القرب بين الشعوب الخليجية. فحين تنقلت الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية وميليشياتها في المنطقة بين سماء وأخرى، وامتد الاستهداف إلى المنشآت الحيوية والسفن والممرات البحرية، ظهرت وحدة الخليج بوصفها حقيقة أمنية تفرضها الجغرافيا قبل أن تعلنها السياسة.
ما يصيب منشأة في الكويت يرفع مستوى التأهب في الرياض والمنامة، وما يهدد ميناء في الإمارات ينعكس على حركة التجارة في المنطقة، وما يطال ناقلة سعودية أو قطرية في مضيق هرمز يتجاوز علم السفينة إلى أمن الطاقة العالمي. هكذا تعمل الجغرافيا في الخليج، قد تكون الحدود وطنية، لكن الخطر لا يعترف بها، والنتائج لا تتوقف عندها.
حين تأسس مجلس التعاون عام 1981، كانت الحرب العراقية الإيرانية في عامها الأول، وكانت المنطقة تعيش واحدًا من أكثر عقودها اضطرابًا. أدرك قادة دول الخليج آنذاك أن أمن أي دولة لا يمكن عزله عن أمن جوارها، وأن التقارب الاجتماعي والتاريخي يحتاج إلى إطار سياسي يحميه ويمنحه القدرة على الصمود.
ومنذ ذلك الوقت، قطعت دول المجلس شوطًا مهمًا في بناء العمل المشترك؛ من اتفاقيات الدفاع والتنسيق الأمني، إلى قوات درع الجزيرة، والمناورات العسكرية، وتبادل المعلومات، والربط الكهربائي، والسوق الخليجية المشتركة. كما أثبتت الأزمات الأخيرة قدرة دول المجلس على توحيد مواقفها السياسية، والتضامن مع الدولة التي تتعرض للاعتداء، والدفاع عن سيادتها وحقها في حماية أمنها ومصالحها.
غير أن طبيعة التهديدات تطورت هي الأخرى. لم تعد المواجهات تدور على الحدود وحدها، ولم يعد الخطر يأتي في صورة جيش تقليدي يمكن رصد تحركاته. الصواريخ الباليستية، والطائرات المسيّرة، والهجمات السيبرانية، واستهداف السفن والبنى التحتية، كلها أدوات تختصر المسافات وتضغط الزمن المتاح لاتخاذ القرار.
ولهذا، فإن المرحلة المقبلة لا تتطلب تأسيس وحدة خليجية جديدة، بقدر ما تتطلب رفع كفاءة الوحدة القائمة، والانتقال بها من وحدة الموقف إلى تكامل القدرة.
يبدأ ذلك من بناء قراءة مشتركة للخطر. فاختلاف الدول في تقدير التهديد قد يكون ثغرة أكبر من اختلاف قدراتها على مواجهته. وكلما توحدت المعلومات وأنظمة الإنذار المبكر، وتكاملت منظومات الدفاع الجوي والصاروخي، أصبح المجال الخليجي أكثر قدرة على اكتشاف التهديد واعتراضه قبل أن يبلغ هدفه.
ولا يعني هذا الانتقال إلغاء الجيوش الوطنية أو انتقاص سيادة الدول، وإنما بناء مظلة تعمل فوق القدرات الوطنية وتربطها ببعضها. فالخصم الذي يفكر في استهداف دولة خليجية يجب أن يدرك، منذ لحظة التخطيط، أنه لا يتعامل مع هدف منفرد، وإنما مع منظومة تمتلك قدرة جماعية على الرصد والاستجابة واحتواء آثار الهجوم.
وفي قلب هذه المعادلة، تتحمل المملكة العربية السعودية مسؤولية تتناسب مع ثقلها السياسي والاقتصادي والعسكري وموقعها الجغرافي. فالمملكة لا تطل على الخليج العربي وحده، بل تمتد إلى البحر الأحمر، وتمتلك شبكة واسعة من الموانئ والمطارات والطرق والسكك الحديدية، إلى جانب خط أنابيب شرق-غرب الذي يمنح صادرات الطاقة منفذًا بديلًا عن مضيق هرمز. هذه القدرات بُنيت في الأصل لخدمة الاقتصاد الوطني وتعزيز سيادته، لكنها تتحول في أوقات الأزمات إلى عمق استراتيجي لمنطقة الخليج بأكملها. فكل طريق بديل، وميناء قادر على استيعاب حركة إضافية، وشبكة لوجستية تستطيع مواصلة العمل تحت الضغط، يرفع قدرة دول المجلس على الصمود ويقلل أثر التهديدات الموجهة إلى الممرات البحرية.
وقد حافظت المملكة، في إدارتها للأزمات الإقليمية، على معادلة تجمع بين الحزم وضبط النفس؛ حماية السيادة والمصالح الوطنية من جهة، ومنع الانزلاق إلى حرب أوسع من جهة أخرى. وهذه المعادلة تزداد قوة حين تتحول من نهج وطني إلى قاعدة خليجية مشتركة، تُبقي الحوار ممكنًا، من دون أن تجعل أمن المنطقة قابلًا للمساومة.
لقد أثبتت الحرب أيضًا أن الأمن الخليجي لم يعد ملفًا تتولاه وزارات الدفاع والداخلية وحدها. فعندما تُستهدف محطة للمياه، تصبح التحلية جزءًا من الأمن القومي. وحين تتعرض ناقلة للخطر، تدخل الطاقة والغذاء والتأمين وسلاسل الإمداد في قلب المواجهة. أما الهجمات السيبرانية، فتستطيع أن تمس المصارف والمطارات والموانئ وأنظمة الاتصالات من دون أن تعبر دبابة واحدة الحدود.
من هنا، يتسع مفهوم التكامل ليشمل خططًا مشتركة لاستمرارية الأعمال، ومخزونات استراتيجية مترابطة للغذاء والدواء، وقدرات موحدة لمواجهة الهجمات السيبرانية، ومسارات بديلة لحركة التجارة والطاقة، وتنسيقًا مستمرًا بين المنشآت الحيوية والقطاعات الصناعية واللوجستية.
ففي الحروب الحديثة، قد تكون قدرة المصنع على مواصلة الإنتاج، والميناء على استقبال السفن، والشبكة الكهربائية على استعادة عملها، جزءًا من الردع بقدر منظومات الدفاع نفسها. والدولة التي تستطيع امتصاص الهجوم واستعادة نشاطها سريعًا، تقلل قدرة المعتدي على تحقيق أهدافه السياسية والاقتصادية.
أما على المستوى الدبلوماسي، فلا تقتضي الوحدة الخليجية تطابق مواقف الدول في كل ملف. لكل دولة علاقاتها وخبرتها وقنواتها الخاصة مع القوى الإقليمية والدولية، ويمكن لهذا التنوع أن يكون مصدر قوة متى تحرك ضمن سقف خليجي مشترك.
المهم ألا تتحول القنوات الثنائية إلى مداخل لتجزئة الموقف الخليجي، أو إلى تفاهمات تمنح دولة حماية مؤقتة بينما تنقل الضغط إلى دولة أخرى. فالتفاوض الجماعي، أو التنسيق المسبق بين العواصم الخليجية، يمنح المنطقة وزنًا أكبر، ويحول دون استخدام أمن إحدى دولها ورقةً في مفاوضات لا تملك التحكم فيها.
كما أن بناء منظومة ردع خليجية لا يعني البحث عن عداوة دائمة مع إيران. فاستقرار إيران، وانخراطها في علاقات طبيعية مع جيرانها، واحترامها لسيادة دول المنطقة، كلها مصالح خليجية. لكن الحوار المستدام يحتاج إلى توازن، والسلام لا يترسخ إذا أصبح استهداف الجيران طريقًا إلى تحسين شروط التفاوض.
المعادلة التي يحتاج إليها الخليج واضحة: أبواب الدبلوماسية تبقى مفتوحة، لكن أمن الدول وسيادتها وحرية الملاحة لا تدخل في المساومات، وأي اعتداء على دولة من دول المجلس يمس أمن المنظومة كلها.
لقد حسمت الحرب جانبًا كبيرًا من السؤال القديم حول وحدة الخليج. فالدول الست لم تعد تجمعها الروابط الاجتماعية والاقتصادية وحدها، بل باتت تواجه مجالًا أمنيًا واحدًا، تتشابك فيه التهديدات والمصالح والبنى التحتية.
لذلك، فإن «خليجنا واحد» لم تعد عبارة تصف ما نشعر به فحسب، وإنما اتجاه استراتيجي لما ينبغي أن نبنيه. وما تحقق خلال العقود الماضية وضع الأساس، أما مسؤولية المرحلة الحالية فهي تسريع الانتقال من وحدة الموقف إلى تكامل القوة، ومن التضامن بعد الاعتداء إلى ردع يمنعه قبل وقوعه.
لقد قالت الجغرافيا كلمتها منذ زمن: أمن الخليج واحد. والمهمة اليوم أن تعكس قدراته المشتركة هذه الحقيقة بالوضوح نفسه.