مرفت بخاري
سلامٌ على قلوبِنا حين تنبضُ بيقينٍ وحب..
وسلامٌ على أرواحنا حين تعلّمت أن الخسارة ليست نهاية الطريق، بل منعطفٌ يقود إلى اتساعٍ آخر.
سلامٌ على النسخِ التي غادرتنا، لأنها أفسحت المجال لنسخٍ أكثر وعيًا، وأكثر اتزانًا، وأكثر امتنانًا للحياة.
وسلامٌ على كل صفعةٍ أيقظت فينا ما لم توقظه كلماتُ المديح، وعلى كل منعطفٍ ظننّاه انكسارًا، فإذا به يعرّفنا بحجم قدرتنا على المضي.
وسلامٌ على قلوبٍ لم تنجُ من الحياة، لكنها تعلّمت كيف تحياها برضا.
نقيس أعمارنا بالسنوات، بينما الحقيقة أن أعمارنا تُقاس بعدد المرات التي تغيّرنا فيها، فليس الإنسان ابن عمره، بل ابن تجاربه، وابن اللحظات التي أعادت ترتيب نظرته إلى نفسه وإلى الحياة.
ما أكثر ما تشبثنا بأشياء حسبناها قدرنا الأخير، ثم مضت، ومضينا بعدها، وما أكثر ما بكينا على نهايات، قبل أن نكتشف أنها كانت بداياتٍ لا تشبه ما عرفناه من قبل.
ربما لم تكن الحياة تسلبنا بقدر ما كانت تُعلّمنا أن الاتساع لا يحدث إلا عندما نُفسح مكانًا لنسخةٍ جديدة من أنفسنا، نسخةٍ أكثر وعيًا، وأكثر تصالحًا مع التغيّر، وأكثر قدرةً على استقبال الغد دون خوف.
تعلمت أن لا أصدر الأحكام في علاقاتي البشرية، وأن لا أُعمم تجربة واحدة على البشر جميعًا، فما أتقبله أنا، قد لا يتقبله غيري، وما أرضى عنه، أحترم تمامًا حق غيري في رفضه.
وتعلمتُ أن اختلافنا لا يعني خطأ أحدنا، بل يعني أن لكل إنسان رحلته الخاصة، وتكوينه الذي لا يشبه سواه.
كم مرةٍ قدّمتُ رغبات الآخرين على رغباتي، لا ضعفًا، بل احترامًا لحقهم في الاختيار، وإيمانًا بأن لكل قلبٍ أولوياته، ولكل روحٍ ما يطمئنها. فالعيش معًا لا يقتضي أن نتشابه، وإنما أن نتسع لبعضنا، وأن نمنح اختلافاتنا المساحة التي تستحقها.
وحين أدركتُ أن الحياة لا تطلب منا نسخًا متطابقة، بل بشرًا يعرفون كيف يتعايشون رغم اختلافهم، أصبحتُ أكثر تصالحًا مع الناس، وأكثر رحمةً بنفسي.
فلسنا ملائكةً معصومين من الزلل، وإنما بشرٌ خلقنا الله لنخطئ، ونتعلم، ونعتذر، ونتوب، ثم نمضي إلى الحياة بقلوبٍ أكثر نضجًا، لا أكثر قسوة.
ويبقى الامتنان النعمة التي رافقتني في كل مراحل حياتي، وأحسبها من أعظم ما أكرمني الله به، ويشهد الله أن هذا الامتنان لم يزدني إلا حبًا، ولم يزدني إلا يقينًا بربي الواحد الأحد، الفرد الصمد.
فكلما مضيت في العمر، ازددت إيمانًا بأن الله لم يكن يختار لي إلا ما يُوسّع بصيرتي، ويهذب روحي، ويقودني إلى معرفة نفسي على حقيقتها، ومن فضله أن اختصني بحب اللغة، والغوص في بحور معانيها، حتى أصبحت الكلمات شاهدةً على عمري، تروي محطات السقوط والنهوض، والحصول والفقد، والنجاح والإخفاق.
لم أتنكر يومًا لتجربة مررت بها، لأنها جميعًا أسهمت في تشكيل شخصيتي، ولم أُخاصم مرحلة من مراحل حياتي، لأنها، على اختلافها، كانت تبني في داخلي إنسانةً أكثر وعيًا واتزانًا.
واليوم، حين أنظر إلى الوراء، لا أرى سلسلةً من الخسارات والانتصارات، بل أرى رحلةً ربانية متقنة، أخذ الله بيدي فيها من نسخة إلى نسخة، حتى وصلت إلى أكثر النسخ تصالحًا مع نفسها، وأكثرها رضا بما قسم الله، وأكثرها امتنانًا لكل ما كان.
ولعل أجمل ما خرجتُ به من تقلبات الحياة هو الرضا، ذلك الرضا الذي لم يكن استسلامًا للواقع، بل تسليمًا لله، وإيمانًا بأن أقداره نافذة بحكمته، وأن ما يختاره لعباده أوسع من إدراكهم، وأرحم من ظنونهم.
حين أيقنت أن الأقدار لا تُقاوَم بالاعتراض، بل تُستقبل بقلبٍ يثق بعدل الله ولطفه، تبدلت نظرتي إلى الحياة لم أعد أسأل لماذا حدث هذا؟ بل أصبحت أسأل، ماذا يريد الله أن يعلمني من خلاله؟
ومنذ ذلك الحين، صار الرضا طوق النجاة في كل منعطف، وصارت الطمأنينة ثمرة يقينٍ يتجدد كلما تذكرت أن تدبير الله يسبق أمنياتنا، وأن رحمته تحيط بنا حتى في اللحظات التي نعجز فيها عن فهم حكمته.
وكلما ضاقت بي الطرق، حضرت في قلبي معاني قوله تعالى:
{وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ} (216) سورة البقرة، فأدركت أن ما نراه نهاية قد يكون في علم الله بداية، وأن التوقيت الإلهي لا يتأخر أبدًا، بل يأتي في اللحظة التي تكتمل فيها الحكمة، وإن غابت عن أبصارنا.
ومن هنا أيقنت أن بعض الأوجاع لا تترك أثرًا يُرى، ولا ندوبًا نتكئ عليها كلما تذكرنا الماضي، بل تهبنا ميلادًا جديدًا.
نخرج منها وقد تبدلت ملامح أرواحنا، لا لأن الحياة أصبحت أكثر لطفًا، بل لأننا أصبحنا أكثر اتزانًا، وأرسخ يقينًا، وأنضج فكرًا، وأصدق شعورًا.
ننظر إلى ما مضى بعين الامتنان، لا بعين السخط، ونتعامل مع الناس برحابة قلب، لا بثقل التجارب. فلا نحمل في صدورنا حقدًا، ولا نسمح لجراح الأمس أن تملي علينا أحكام اليوم، ولا نجعل الخيبات سببًا للتنكر للخير أو لإنكار جميل من مرّوا في حياتنا.
نمضي محتسبين، متوكلين، موقنين أن تدبير الله لا يخذل عبدًا أحسن الظن بربه، وأن نصره لا يُقاس بسرعة حدوثه، وإنما بكمال حكمته.
فما كان لله، وفي الله، وبالله، لا يضيع أبدًا.
كونوا بخير.