باسم سلامة القليطي
نحن لا نخسر كثيراً بسبب الناس، بل بسبب الصورة التي نصنعها لهم في أذهاننا. فمنذ اللقاء الأول نوزع الأدوار، ونمنح الثقة، ونبني التوقعات، ثم نُفاجأ بأن الآخرين لم يقرأوا السيناريو الذي كتبناه لهم. نحاسبهم على أدوار لم يختاروها، ونحمّلهم وعوداً لم يقطعوها، ثم نستغرب أن تأتي النتائج على غير ما اشتهينا. لذلك فإن كثيراً مما نسميه خيبة أمل ليس إلا خطأً في قراءة الناس قبل أن يكون خطأً في أفعالهم.
ومن جوامع الهدي النبوي قوله صلى الله عليه وسلم: «أنزلوا الناس منازلهم». وهي قاعدة عظيمة في بناء العلاقات؛ فلا تدعو إلى تفضيل إنسان على آخر بقدر ما تدعو إلى معرفة مقام كل إنسان، وإعطاء كل علاقة ما تستحقه من قُرب أو بُعد، ومن ثقة أو حذر، ومن عتاب أو تجاوز.
فليس كل من عرفته صار صديقاً، وليس كل من أحسن إليك أصبح أهلاً لأن تودعه أسرارك، كما أن الناس يختلفون في طبائعهم وأدوارهم وقدرتهم على الوفاء بما تنتظره منهم.
وحين يغيب هذا الميزان، تبدأ العلاقات في حمل ما لا تحتمل، ويبدأ القلب في دفع ثمن أخطاء التقدير.
لهذا فإن الذكاء الاجتماعي لا يقاس ببلاغة اللسان، بل بدقة البصيرة. فقد يكون الإنسان حاضر الجواب، لكنه غائب عن فهم من يحدثه. والكلمة لا تستمد قيمتها من جمالها وحده، بل من ملاءمتها للمقام.
فما يصلح في مجلس عِلم قد يبدو استعراضاً في مجلس آخر، وما يبعث الطمأنينة في نفس صديق قد يجرح زميلاً، وما يقال في لحظة فرح قد يصبح ثقيلاً في ساعة حزن.
ليست الحكمة أن تمتلك قاموساً واسعاً، وإنما أن تعرف أي كلمة ينبغي أن تخرج، وأي كلمة يحسُن أن تبقى في صدرك.
وتغيير الأسلوب مع اختلاف الناس لون من ألوان النضج، لا من ألوان التناقض. فالثابت هو المبدأ، أما الأسلوب فينبغي أن يكون مرناً. والمعلم الناجح لا يشرح الدرس بالطريقة نفسها لجميع طلابه، والطبيب لا يصف العلاج ذاته لكل مرضاه، والأب لا يخاطب أبناءه جميعاً بالأسلوب نفسه، لأن الإنسان ليس آلة تستجيب لزر واحد. ومن ظن أن معاملة الجميع بالطريقة نفسها هي عين العدل، فقد خلط بين العدل والمساواة. فالعدل أن تعطي كل إنسان ما يناسبه، لا أن تعطي الجميع الشيء نفسه.
وليس الناس سواء فيما ينتظرونه منك. فهناك من يكسبه صدق الإصغاء أكثر مما يكسبه بريق الكلام، وهناك من يبحث عن الفكرة، وآخر يبحث عن الموقف، وثالث لا تعنيه التفاصيل بقدر ما يعنيه أن يشعر بالاحترام.
على سبيل المثال: في محيط العمل، قد تجد زميلاً جديداً يحتاج من التوجيه والتشجيع المستمر ما يشعره بالأمان والتقدير، بينما يكفي الزميل الخبير تفويض عابر يعكس الثقة في قدراته. معاملة الاثنين بالطريقة ذاتها إما أن تُحبط الأول أو تقيّد الثاني.
إن فهم الإنسان الذي أمامك نصف نجاح العلاقة، لأن الكلمات لا تؤثر بقيمتها المجردة، بل بمدى ملاءمتها لمن يسمعها.
وكلما اتسعت قدرتك على قراءة النفوس، قل احتكاكك بالناس، لأنك لم تعد تطلب منهم أن يكونوا نسخة منك، بل صرت تتعامل معهم كما هم، لا كما تشتهي أن يكونوا.
وإذا انتقلنا إلى أقرب الناس إلينا، ازداد الأمر وضوحاً. فالصداقة لا يحرسها كثرة اللقاءات، وإنما يحرسها الأدب. والأدب ليس ألفاظاً منمقة، بل احترام لا يسقط عند الخلاف، ووفاء لا يتغير بتغير الظروف، وقدرة على حفظ مكانة الصديق حتى في غيابه.
أما الأسرة، فلا يكفيها الإنصاف، لأن العلاقات الأسرية لا تعيش بالقوانين وحدها، بل بالرحمة. قد يغفر الأبناء خطأً، لكنهم لا ينسون قسوةً تكررت، وقد تنسى الزوجة هديةً فاتت، لكنها لا تنسى كلمةً صادقة جاءت في وقتها. إن البيوت لا تتماسك بالأثاث، وإنما بالمودة، ولا يدفئها اتساع المساحات، بل اتساع القلوب.
ومثلما يتطلب القُرب أدباً ورحمة، فإن اتساع البصيرة يفرض علينا أيضاً معرفة كيف نتعامل مع الطرف الآخر من الحياة؛ مع أولئك الذين لا يريدون للحوار أن يصل إلى حقيقة، بل إلى غلبة.
فكلما منحت مثل هذا الصنف من وقتك، طلب المزيد، وكلما أجبته عن سؤال، انتقل إلى غيره. وهنا يصبح الحِلم صورة من صور الذكاء، لا مجرد خُلق كريم. فليس كل استفزاز يحتاج رداً، وليس كل إساءة تستحق انتقاماً، وليس كل رأي يستحق أن تقضي يومك في تفنيده. إن بعض الناس يشبه النار؛ لا تنطفئ إذا خاصمتها، وإنما إذا تركتها بلا حطب. ولذلك كان العُقلاء أوفر الناس طاقة، لأنهم لا يبددون أعمارهم في معارك لا تغير الواقع، ولا ترتقي بالفكر، ولا تحفظ الود.
وحين يفهم الإنسان هذه المعاني، يهدأ شيء في داخله. يقل عتبه على الناس، لأنه لم يعد يحملهم فوق طاقتهم، وتخف خيباته، لأنه لم يعد يبني توقعاته على أمانيه، بل على معرفته بطبائع البشر.
يُدرك أن راحة البال ليست في أن يصبح الناس كما يريد، فهذا لن يحدث، وإنما في أن يتعامل معهم كما هم. عندها تتحول العلاقات من ميدان استنزاف إلى مدرسة للفهم، ويصبح اختلاف الناس مصدراً للحكمة لا سبباً للشكوى.
ومن عرف لكل إنسان مقامه، عرف قبل ذلك مقام نفسه، فلم يبتذلها في غير أهلها، ولم يُرهق قلبه بما لا يستحق، وعاش مطمئناً لأن ميزانه أصبح يقوم على البصيرة، لا على التوقعات.