أمل حمدان الشريف
ليس النقد في جوهره فعلًا من أفعال المعارضة، ولا هو مرادفٌ للاعتراض، كما أنه ليس مهارةً في اصطياد الأخطاء أو التلذذ بكشف العثرات. إنما هو قيمة حضارية، لا تزدهر إلا في البيئات التي تؤمن بأن الكمال لله وحده، وأن الإنسان والمؤسسات والأفكار جميعها قابلة للمراجعة والتطوير.
ولذلك، فإن النقد الحقيقي لا يبدأ من الرغبة في الانتصار، بل من الحرص على الإصلاح. فهو يزن كلماته بميزان العدل، ويستند إلى المعرفة، ويتحرى الإنصاف، ويُعلي من شأن الفكرة دون أن ينتقص من صاحبها. إنه نقدٌ يفتح الأبواب المغلقة، ويمنح الخطأ فرصةً ليصبح درسًا، لا وصمةً أبدية.
غير أن المشهد اليوم يكشف عن خلطٍ مؤسف بين النقد والتجريح، حتى غدا كل اعتراضٍ يُسمى نقدًا، وكل إساءةٍ تُسوَّق على أنها صراحة، وكل تشهيرٍ يُغلَّف برداء حرية التعبير. وهنا تبدأ المشكلة؛ لأن الكلمة حين تفقد أخلاقها، تفقد رسالتها.
فالنقد البنّاء يوجَّه إلى الفكرة، أما التجريح فيُصوَّب نحو الإنسان. النقد يبحث عن الخلل ليعالجه، بينما يبحث التجريح عن الزلة ليُشهّر بها. النقد يصنع الثقة، أما التجريح فيصنع الخصومات، ويغذي الكراهية، ويقتل روح المبادرة.
ومن هنا، لا يكون الناقد الحقيقي أكثر الناس قسوة، بل أكثرهم مسؤولية. فهو يدرك أن للكلمة أثرًا، وأن الرأي أمانة، وأن من السهل هدم السمعة بجملة، بينما يحتاج بناؤها إلى سنوات من العمل والصدق والعطاء.
وللنقد صور متعددة؛ فمنه النقد البنّاء الذي يقوم على التشخيص الدقيق وتقديم البدائل، ومنه النقد التقويمي الذي يعتمد على معايير واضحة ومؤشرات موضوعية، ومنه النقد التحليلي الذي يتجاوز ظاهر الأحداث إلى قراءة أسبابها وسياقاتها.
أما النقد الهدّام والنقد الشخصي، فهما يخرجان بالنقد من دائرة الإصلاح إلى دائرة الخصومة، ويحولان الكلمة من أداةٍ للتنوير إلى وسيلةٍ للإساءة.
إن المجتمعات التي تتقدم ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي تُحسن إدارة أخطائها، وتستقبل النقد المهني بصدرٍ رحب، وتُميّز بين من ينصح ابتغاء الإصلاح، ومن يهاجم ابتغاء الشهرة أو تصفية الحسابات. فالنقد المسؤول شريكٌ في التنمية، لا خصمٌ لها، وداعمٌ للنجاح، لا عائقٌ أمامه.
ولعل أخطر ما يواجه الخطاب العام اليوم أن تتحول منصات التواصل إلى ساحاتٍ للمحاكمات الفورية، حيث تُطلق الأحكام قبل اكتمال الحقائق، وتُختزل الإنجازات في هفوة، ويُلغى تاريخ الإنسان بسبب موقفٍ أو خطأ. تلك ليست ثقافة نقد، بل ثقافة إدانة، ولا تبني مجتمعًا واعيًا، بل تُنتج بيئةً تخشى الاجتهاد خشية الوقوع تحت مقصلة التجريح.
إن النقد في أسمى معانيه ليس معولًا للهدم، بل جسرٌ نحو التحسين. وهو لا يُقاس بحدة العبارات، بل بصدق المقاصد، ولا بارتفاع الأصوات، بل بقوة الحجة ونبل الغاية. فالكلمة التي تُصلح أرفع شأنًا من الكلمة التي تُؤذي، والرأي الذي يفتح بابًا للأمل أبقى أثرًا من رأيٍ لا يترك خلفه سوى الضجيج.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل نقد: هل أكتب لأبني، أم لأنتصر؟ وهل أُقوّم الفكرة، أم أُجرّح صاحبها؟ فبين هذين السؤالين تتجلى حكمة النقد.. وتنكشف غواية التجريح.