صبحي شبانة
لم يعد مضيق هرمز مجرد ممر بحري تعبر من خلاله ناقلات النفط القادمة من الخليج العربي إلى الأسواق العالمية، بل تحول إلى أحد أكثر الملفات تأثيرًا في معادلات الأمن الدولي والاقتصاد العالمي، فكل توتر يشهده هذا الشريان الحيوي لا ينعكس على الدول المنتجة للطاقة وحدها، وإنما يمتد أثره إلى كل منزل ومصنع وميناء في العالم، لأن استقرار أسواق الطاقة لم يعد قضية إقليمية، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من استقرار الاقتصاد العالمي، ومع تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران عاد المضيق ليحتل صدارة المشهد الدولي، ليس بوصفه منطقة جغرافية فحسب، وإنما باعتباره ورقة ضغط سياسية تستخدمها طهران كلما اشتدت عليها الضغوط، بينما تنظر إليه واشنطن باعتباره خطًا أحمر لا يجوز المساس بحرية الملاحة فيه، وبين هذين الموقفين تقف دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية، باعتبارها الطرف الأكثر حرصًا على حماية استقرار المنطقة وضمان استمرار تدفق الطاقة بعيدًا عن سياسات التصعيد والمغامرة.
لقد أثبتت التجارب أن التهديد بإغلاق مضيق هرمز لا يمثل خطرًا على صادرات النفط الخليجية فقط، بل يهدد الاقتصاد العالمي بأسره، فالمضيق الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال يمثل شريانًا رئيسيًا للصناعة العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار النفط، وتكاليف النقل، وأسعار التأمين البحري، ومعدلات التضخم، وسلاسل الإمداد، وهو ما شهدناه خلال الأزمات المتعاقبة التي مرت بها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، ومنذ اندلاع الحرب العراقية - الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي، ظهر مصطلح حرب الناقلات عندما أصبحت السفن التجارية أهدافًا مباشرة للصراع العسكري، واليوم تعود هذه الحرب بصورة أكثر تعقيدًا وخطورة، بعدما دخلت الطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والحرب الإلكترونية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى ساحة المواجهة، الأمر الذي جعل أمن الملاحة البحرية أكثر هشاشة من أي وقت مضى، رغم التطور الكبير في القدرات العسكرية الدولية.
إيران تدرك تمامًا أن موقعها الجغرافي يمنحها قدرة على التأثير في حركة الملاحة داخل المضيق، ولذلك لم تتوقف طوال السنوات الماضية عن التلويح بإغلاقه أو تعطيل المرور فيه كلما تصاعدت العقوبات أو الضغوط السياسية عليها، إلا أن هذه الورقة، رغم ما توفره من أدوات للضغط السياسي والإعلامي، تبقى سلاحًا ذا حدين، لأن أي إغلاق فعلي للمضيق سيصيب الاقتصاد الإيراني نفسه قبل غيره، وسيؤدي إلى ردود فعل دولية واسعة قد تتجاوز حدود المنطقة، وفي المقابل، تتمسك الولايات المتحدة ومعها القوى البحرية الكبرى بمبدأ حرية الملاحة باعتباره أحد ثوابت القانون الدولي، ولذلك حافظت على وجود عسكري دائم في الخليج العربي، وشكلت تحالفات بحرية متعددة لضمان عدم تعرض السفن التجارية لأي تهديد، غير أن التجربة أثبتت أن الحل العسكري وحده لا يكفي، وأن استمرار التوتر يظل عاملًا مؤثرًا في الأسواق حتى دون وقوع مواجهة مباشرة، وفي ظل هذه المعادلة المعقدة، برزت المملكة العربية السعودية باعتبارها أكثر الدول إدراكًا لخطورة ربط أمن الطاقة بالصراعات السياسية، فمنذ سنوات تعمل المملكة وفق رؤية استراتيجية بعيدة المدى لا تقوم فقط على حماية صادراتها النفطية، وإنما على تعزيز أمن الطاقة العالمي من خلال تنويع منافذ التصدير، وتطوير البنية التحتية، وزيادة الاستثمارات في خطوط الأنابيب والموانئ على البحر الأحمر، بما يقلل من تأثير أي اضطرابات قد يشهدها مضيق هرمز.
ولم يكن هذا التوجه مجرد استجابة ظرفية للأزمات، بل جاء امتدادًا لرؤية المملكة 2030 التي يقودها سمو ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، والتي تنظر إلى أمن الطاقة باعتباره جزءًا من أمن الاقتصاد العالمي، وإلى الاستقرار الإقليمي باعتباره شرطًا أساسيًا لاستمرار التنمية والاستثمار، ولذلك لم تنجر المملكة يومًا إلى خطاب التصعيد، بل حافظت على سياسة تتسم بالحكمة وضبط النفس، مع تطوير قدراتها الدفاعية والبحرية لحماية مصالحها الوطنية ومصالح شركائها الدوليين، وفي الوقت نفسه، لم تعد الدول الصناعية تعتمد بصورة كاملة على تدفق النفط اليومي عبر المضيق، فقد بنت خلال العقود الماضية مخزونات نفطية استراتيجية ضخمة تستخدم عند حدوث الأزمات، وهو ما وفر للأسواق هامشًا من المرونة في مواجهة الاضطرابات المؤقتة، لكن هذه المخزونات، مهما بلغت أحجامها، لا تمثل سوى حل مؤقت، ولا يمكن أن تكون بديلًا دائمًا عن استمرار تدفق الإمدادات بصورة طبيعية، لأن استنزافها لفترات طويلة يضع العالم أمام تحديات اقتصادية معقدة، كما أن المشروعات الخليجية لإنشاء خطوط أنابيب تتجاوز مضيق هرمز، وتوسعة موانئ البحر الأحمر وبحر العرب، تمثل خطوات استراتيجية مهمة، لكنها لا تستطيع حتى الآن استيعاب كامل صادرات المنطقة، ولذلك يبقى المضيق رغم كل البدائل أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وستظل سلامته مسؤولية جماعية لا يمكن أن تتحملها دولة واحدة أو تحالف بعينه.
ولعل أخطر ما تكشفه الأزمة الحالية هو أن استخدام الممرات البحرية كورقة ضغط سياسية أصبح يهدد قواعد النظام الاقتصادي العالمي، فالعالم الذي يعتمد على التجارة المفتوحة لا يستطيع القبول بتحويل أحد أهم شرايين الطاقة إلى أداة ابتزاز أو مساومة سياسية، لأن ذلك يفتح الباب أمام اضطرابات لا تقف عند حدود الخليج، بل تمتد إلى آسيا وأوروبا وإفريقيا والأمريكيتين، ومن هنا فإن المجتمع الدولي مطالب اليوم أكثر من أي وقت مضى بالانتقال من سياسة إدارة الأزمات إلى سياسة منع الأزمات، عبر بناء منظومة أمن بحري أكثر فاعلية، وتعزيز الالتزام بالقانون الدولي، وضمان حرية الملاحة، وعدم السماح لأي طرف باستخدام الممرات الدولية لتحقيق أهداف سياسية أو عسكرية.
إن المملكة العربية السعودية بما تمتلكه من ثقل سياسي واقتصادي ومكانة راسخة في أسواق الطاقة العالمية، لا تنظر إلى أمن مضيق هرمز من زاوية مصالحها الوطنية فقط، بل من زاوية مسؤوليتها الدولية باعتبارها أحد أهم الضامنين لاستقرار أسواق النفط، ولهذا فإن مواقفها ظلت ثابتة في الدعوة إلى التهدئة، واحترام القانون الدولي، ورفض استهداف المنشآت المدنية أو السفن التجارية، مع التأكيد في الوقت نفسه على حقها المشروع في حماية أمنها الوطني وأمن المنطقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل يستمر العالم في التعامل مع مضيق هرمز باعتباره ساحة للصراع، أم باعتباره مرفقًا دوليًا يجب تحييده عن النزاعات؟ الإجابة عن هذا السؤال ستحدد مستقبل أمن الطاقة خلال العقود المقبلة. فكلما انتصرت لغة الحوار والتعاون، ازدادت فرص الاستقرار، وكلما استمرت سياسات التصعيد والابتزاز، بقي الاقتصاد العالمي رهينة لأزمات يمكن تفاديها.
إن مستقبل المنطقة لا ينبغي أن يُبنى على منطق إغلاق الممرات البحرية أو تهديد التجارة الدولية، وإنما على شراكات تحقق الأمن والتنمية والازدهار للجميع، وهذه هي الرؤية التي تتبناها المملكة العربية السعودية، والتي أثبتت السنوات أنها ليست خيارًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لحماية الاقتصاد العالمي وصون استقرار المنطقة، لأن أمن الطاقة لم يعد شأنًا إقليميًا، بل مسؤولية دولية مشتركة لا تحتمل المغامرات ولا تقبل الابتزاز.