د. سجى عارف
وفقًا لخبراء الإعلام، تُعد الصحافة جزءًا من منظومة الأمن الاجتماعي، وعنصرًا محوريًا في قراءة التغيرات الصامتة، ورصد الإشارات الضعيفة، بل هي بمثابة تقديم معرفي استباقي تساعد الدولة على فهم ما يحدث.. قبل أن يحدث.
فالإعلام والصحافة تحديدًا تعمل كنظام إنذار مبكر، تقرأ المجتمع، وتستشرف المخاطر، وتقدم محتوى يخفف احتمالية الأزمة وتُشارك في صناعة القرار الوطني.
التحولات الصامتة هي الشرارة الأولى للأزمات، فالأخيرة لا تبدأ بصوت عالٍ بل تبدأ في العمق كتغير المزاج الاجتماعي، كصعود مجموعات جديدة، تبدأ كذلك في تراجع الثقة، وفي انتشار التفسيرات غير الرسمية للأحداث، وحتى في ارتفاع خطاب الشك أو الاستقطاب، وهذه التحولات هي المادة الخام للصحافة التوقعية، بل هي الشرارة الأولى للأزمات المستقبلية.
والإعلام الذي يلتقط هذه التحولات ويحللها ويقدمها للجهات المختصة، يصبح جزءًا من منظومة الإنذار المبكر الوطني.
الصحافة هي بمثابة إنذار مبكر، فالصحافة التوقعية ليست تنبؤية تقليدية بل هي نموذج جديد يقوم على تحليل الإشارات الضعيفة في المجتمع، وقراءة الاتجاهات قبل أن تتحول إلى ظواهر، بل إنها ترصد التوترات الصامتة، وتتبع مؤشرات الوعي العام، وتفهم التحولات السلوكية، وتقدم محتوى يخفف من احتمالية الأزمة وهذا النوع من الصحافة يجعل الإعلام جزءًا من منظومة الأمن الاجتماعي لا مجرد مراقب لها أو ناقلًا وموثقًا لأحداثها.
إعلام الأزمات المستقبلية كما نسميه هو إدارة للأزمة قبل وقوعها، بل قبل أن تتشكل عبر بناء سيناريوهات محتملة، وتحليل جذور الأزمة قبل ظهورها وتقديم خرائط مخاطر، وإصدار توصيات استباقية، كما أنه ينتج محتوى يخفف به التوتر المجتمعي، ويدعم الجهات الحكومية بالمعلومات التحليلية مما يمكنه من أن يصبح إعلام إداري بامتياز.
وكعادتي أتحدث عن أهمية غرف الأخبار في أي نموذج أطرحه للنقاش، وهنا نطرح غرفة الأخبار الاستباقية التي تعمل وفق منهجية الإنذار المبكر وتشمل وحدة تحليل بيانات مجتمعي، ووحدة اتجاهات وسلوكيات، وأخرى للاستشراف الإعلامي، ورابعة لإدارة المخاطر، ولن ننسى وحدة الذكاء الاصطناعي السيادي وأخيرًا وحدة تقارير الإنذار المبكر، وهذه الغرفة لا تنتظر الحدث بل تعمل على فهمه قبل أن يولد ومن ثم التحذير منه والتخفيف من وطأة وقوعه. في هذا النموذج الاستباقي يصبح الصحفي محللًا للتغيرات المجتمعية، وخبيرًا في قراءة المخاطر، وصانعًا لوعي استباقي، بل ومشاركًا في إدارة الأزمات، لأنه جزء من منظومة الحلول لا منظومة الوصف، وعنصرًا في بناء الأمن الاجتماعي الوطني.
بل يمكن لإعلامنا السعودي أن يُطور مؤشرات إنذار مبكر تقيس احتمالية نشوء أزمة مستقبلية مثل ارتفاع خطاب الشك، وتغير أنماط الثقة، وزيادة الاستقطاب، وانتشار التفسيرات غير الرسمية، وكذلك تغير المزاج العام، وصعود مجموعات جديدة في المجتمع، وتراجع المشاركة المجتمعية، وهذه المؤشرات موجودة بالفعل وتستخدم في التخطيط وإدارة المخاطر ويمكن للإعلام الوطني أن يعيد استخدامها بما يخدم الوطن ويحقق الوحدة والانتماء ويحذر من المخاطر والأزمات.
على الصحافة التوقعية السعودية أن تفهم مجتمعها وأن تحمي وطنها وأن تفهم الأزمات المستقبلية، وهذه ليست فكرة تنظيرية بل دعوة لمشروع وطني قابل للتطبيق يحتاج رؤية وإدارة ومهنية وخبرة، وهي امتداد طبيعي لمسار المملكة في بناء إعلام حديث مؤثر وطني قادر على حماية الوعي العام وصناعة المستقبل.