ناصر بن فريوان الشراري
تُثبت حركة التاريخ في الشرق الأوسط أن الصراعات الكبرى لا تنفجر من فراغ، بل هي نتاج تراكمات جيوسياسية وهندسة استعمارية قديمة رُسمت حدودها في الغرف المغلقة، ليتحول منطق «الذرائع» بمرور العقود إلى المحرك الأساسي لالتهام الجغرافيا وتشريد الشعوب، إن محاولة فهم مشهد الصراع الراهن بمعزل عن جذوره العميقة، تشبه قراءة السطر الأخير من كتاب معقد، قد ترى النتيجة، لكنك حتماً ستعجز عن إدراك الخيوط الخفية التي تحرك الدمى على مسرح الأحداث.
أولاً: جذور الغرس الأول وتأسيس الصراع: إذا عدنا بالزمن إلى بدايات القرن الماضي، نجد أن المنطقة العربية استُهدفت بمشروع إحلالي وتوسعي، تداخلت فيه المصالح الاستعمارية الغربية مع الأطماع الإسرائيلية، مما أسفر عن زرع كيان غريب في قلب الأمة، كان ذلك الغرس الأول بداية لشرخ تاريخي لم ينتهِ، حيث تحولت فلسطين إلى قضية مركزية في وجدان الشعوب العربية، وتحول الدفاع عنها إلى واجب قومي وإنساني، على مدى عقود، خاضت الدول العربية حروباً نظامية تقليدية، وقدمت تضحيات جساماً لحفظ التوازن والذود عن حياض الأمة، ومع تبدل موازين القوى الدولية، تراجعت الحروب الكلاسيكية المباشرة، لتفسح المجال أمام نوع جديد وأكثر خباثة من الحروب: «حروب الوكالة» وتوظيف الجماعات المؤدلجة عابرة الحدود.
ثانياً: دخول ملالي طهران ولعبة المحاور: مع نهاية السبعينيات، دخل لاعب إقليمي جديد إلى الساحة متمثلاً في نظام الملالي في طهران، الذي لم يجد في القضية الفلسطينية وجراح المنطقة سوى «حصان طروادة» يتسلل عبره إلى العواصم العربية، بدلاً من المواجهة المباشرة، عمدت طهران إلى تأسيس أذرع وميليشيات مسلحة تدين لها بالولاء المطلق، متخذة من شعارات «المقاومة وتحرير القدس» غطاءً دغدغت به عواطف البسطاء، بينما كانت في الحقيقة تبني نفوذها التوسعي على حساب سيادة الدول واستقرارها، وهنا بدأت التغريبة الثانية للصراع، حيث لم تعد المواجهة بين دول وجيوش نظامية تحمي حدودها وقرارها الوطني، بل تحولت إلى استثمار سياسي وعسكري تديره إيران من خلف الستار، وتدفع ثمنه الشعوب العربية من أمنها، واقتصادها، ومستقبل أجيالها.
ثالثاً: لبنان وقربان العبث.. «مواسير السباكة» التي تبتلع الأوطان: يتجلى هذا المشهد العبثي في أبهى وأقسى صوره على الساحة اللبنانية اليوم، ففي الوقت الذي تشن فيه أمريكا وإسرائيل حرباً شعواء لتحجيم نفوذ طهران، تقدم «حزب الله» هذا الحزب اللعين المشؤوم الذي حلّ على لبنان كغراب البين ليعيد تقديم عروس الشرق وقرية الجنوب كقربان رخيص على مذبح المصالح الإيرانية، إن ما يشهده لبنان اليوم ليس مواجهة عسكرية حقيقية تتوخى النصر أو حماية الأرض، بل هو «لعب على الذقون» وتمثيلية سمجة، حينما يطلق هذا الحزب ما يمكن تسميته بـ «مواسير سباكته المهرهرة» باتجاه إسرائيل، هو لا يطلق قذائف لتحرير أو ردع، بل يطلق «ذرائع ذهبية» لطالما انتظرتها تل أبيب على أحر من الجمر، هذا السخف السياسي وهذا الهبال العسكري فتح الطريق على مصراعيه أمام السفاح نتنياهو وجيشه المتعطش للدماء والتوسع، ليعطيه الضوء الأخضر والذريعة الدولية الواحدة تلو الأخرى كي يجتاح أراضي شاسعة من لبنان، فيقتل، ويقتلع، ويشرد الأهالي، ويقضم مساحات شاسعة من الأراضي اللبنانية الخصبة الغاية في الجمال والسحر، إن لُعاب الإسرائيلي الذي يسيل تاريخياً لطبيعة لبنان وثرواته، وجد اليوم في حماقات «حزب اللات» الفرصة الذهبية، ليُلقم هذا الحزب الأرض والسيادة لقمة سائغة في فم الوحش.
رابعاً: واقع الصراع اليوم وسقوط الأقنعة: وصولاً إلى يومنا هذا، يعيش الصراع مرحلة «الفلترة السياسية» وكشف الأقنعة كلياً، لقد أدرك الوعي العربي الحصيف أن الشعارات الأيديولوجية الرنانة التي رُفعت لعقود لم تكن سوى تجارة رابحة للمتاجرين بالدم، الواقع اليوم يضعنا أمام الحقيقة العارية:
* تصفية حسابات بالوكالة: طهران تحارب حتى آخر مواطن لبناني وفلسطيني، بينما تعقد تفاهماتها وخلف كواليسها صفقات بقائها.
* ابتلاع الجغرافيا: إسرائيل تستغل العبث العسكري الإقليمي لتنفيذ مخططاتها التوسعية القديمة في قضم الأراضي وفرض سياسة الأمر الواقع.
* تدمير الدولة الوطنية: تآكل مفهوم السيادة والدولة في البلدان التي تسيطر عليها الميليشيات، حيث يصادر السلاح المنفلت قرار السلم والحرب.
خلاصة القول: الوعي العربي كخط دفاع أخير: إن قراءة هذا الصراع الممتد تخبرنا بيقين لا شائبة فيه، أن صيانة الأوطان وحمايتها لا تتحقق بالارتهان للخارج، ولا بتحويل حدود الدول إلى منصات للرسائل الإقليمية المشفرة، إن إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وحماية الأرض الخصبة والإنسان العربي، يبدأ من استرداد القرار الوطني المستقل، والالتفاف حول مفهوم الدولة الوطنية القوية بمؤسساتها وجيشها الشرعي، أما المراهنة على أدوات المحاور ووكلائها، فلن يورث الأمة إلا مزيداً من التهجير، والدمار، والخراب.