د. عبدالناصر سعيد محمد البطاطي
لم يعد السؤال المركزي في عصرنا: لماذا ينتصر العقل؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف ينتصر اللامعقول رغم وفرة المعرفة واتساع فضاءات التعليم والثورة الرقمية؟ وكيف يمكن لمجتمعات تمتلك هذا الكم الهائل من المعلومات أن تقع، في الوقت نفسه، تحت هيمنة الخطاب الانفعالي، والأسطورة السياسية، والدعاية الموجهة، واليقين الزائف؟ إن هذه المفارقة تمثل واحدة من أعقد الإشكاليات الفلسفية والسياسية في القرن الحادي والعشرين، لأنها تكشف أن تراكم المعلومات لا يؤدي بالضرورة إلى تراكم الحكمة، وأن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة حضور العقل.
لقد أصبح اللامعقول، في كثير من البيئات، سلعة اجتماعية وسياسية وثقافية ذات قيمة تداولية مرتفعة، بينما أخذ العقل يفقد مكانته بوصفه المرجعية العليا للحكم على الأشياء. وهذه ليست أزمة معرفية فحسب، بل أزمة حضارية تمس البنية العميقة للوعي الإنساني، إذ يتحول العقل من أداة لتفسير الواقع إلى ضحية لواقع يعيد تشكيله وفق مصالح القوى المهيمنة على المجال العام.
إن أخطر ما يواجه الحضارات لا يتمثل في ندرة العلماء، وإنما في انخفاض الطلب الاجتماعي على العقل. فالمجتمع قد يملك جامعات ومراكز أبحاث ومؤسسات تعليمية، لكنه يظل عاجزًا عن إنتاج نهضة حقيقية إذا أصبحت المعرفة مجرد زينة ثقافية لا تؤثر في صناعة القرار ولا في تشكيل الرأي العام.
ومن هنا، يمكن القول إن المجتمعات لا تنهار عندما يقل فيها المتعلمون، وإنما عندما يتراجع فيها سلطان البرهان، ويصبح الرأي مساويًا للحقيقة، والانفعال بديلًا عن التفكير، والشائعة منافسًا للعلم، والصوت المرتفع أقوى من الحجة الهادئة.
ولعل أخطر تحولات العصر الحديث أن اللامعقول لم يعد يعيش على هامش الحياة، بل أصبح يمتلك مؤسساته، ومنصاته، وآلياته الاقتصادية، وأدواته الإعلامية، وخوارزمياته الرقمية. فهو لم يعد مجرد خطأ معرفي، بل تحول إلى صناعة متكاملة تستثمر في الانفعال، وتقتات على الاستقطاب، وتعيد إنتاج الجهل في صورة قناعات راسخة.
ومن منظور فلسفة السلطة، فإن القوة لا تفرض هيمنتها بالقوة المادية وحدها، وإنما بإعادة تعريف الحقيقة نفسها. وعندما تنجح السلطة - أيا كان شكلها - في تحديد ما ينبغي للناس أن يصدقوه، فإنها تكون قد انتقلت من السيطرة على الأجساد إلى السيطرة على العقول، وهي الدرجة الأعلى من الهيمنة.
إن العقل لا يخسر معاركه لأنه ضعيف، بل لأنه يعمل وفق قواعد البرهان والتدرج والتمحيص، بينما يعمل اللامعقول وفق قواعد السرعة والإثارة والعاطفة والخوف. ولذلك فإن المنافسة بينهما ليست متكافئة؛ لأن أحدهما يبني القناعة، بينما الآخر يصنع الانفعال.
وليس انجذاب الإنسان إلى الخطاب اللامعقول ظاهرة عارضة، بل يرتبط ببنية الإدراك الإنساني نفسه؛ فالذهن يميل، في كثير من الأحيان، إلى تبني التفسيرات الأبسط والأسرع والأكثر انسجامًا مع معتقداته السابقة، حتى وإن كانت أقل دقة من الناحية الموضوعية. ومن ثم فإن اللامعقول لا ينتشر لأنه أكثر إقناعًا، بل لأنه أقل كلفة معرفية، وأكثر قدرة على إشباع الحاجة النفسية إلى اليقين والانتماء والطمأنينة. وهنا تتجلى المفارقة الكبرى؛ إذ يصبح العقل مشروعًا شاقًا يتطلب مراجعة الذات، بينما يغدو الوهم ملاذًا نفسيًا مريحًا يعفي الإنسان من عناء الشك وإعادة التفكير.
ومن هنا تتشكل ظاهرة يمكن تسميتها باقتصاد الوعي، حيث تصبح الأفكار نفسها سلعًا تخضع لقوانين العرض والطلب. وما يحقق أكبر قدر من الانتشار ليس بالضرورة الأكثر صدقًا، وإنما الأكثر قدرة على إثارة المشاعر وتحريك الغرائز واستقطاب الانتباه.
وفي هذا الاقتصاد الجديد، يغدو العقل استثمارًا طويل الأجل يحتاج إلى الصبر والتربية والنقد والحوار، بينما يصبح اللامعقول استثمارًا سريع العائد، يعتمد على التبسيط المخل، والاختزال، والشعارات، والانقسام الحاد بين «نحن» و«هم».
ولم يعد إنتاج الوعي شأنًا ثقافيًا خالصًا، بل أصبح جزءًا من اقتصاد رقمي عالمي تُقاس فيه قيمة المحتوى بقدرته على جذب الانتباه وإطالة زمن التفاعل، لا بمدى صدقه أو جودته. وهكذا تتلاقى مصالح المنصات الرقمية، وصناعة الإعلان، وآليات التوصية الخوارزمية، في ترجيح المحتوى الأكثر إثارة، حتى وإن كان أقل التزامًا بالدقة، مما يجعل اللامعقول، في كثير من الأحيان، أكثر ربحية من الحقيقة نفسها.
وهكذا فإن معركة الحضارة ليست بين العلم والجهل فقط، بل بين نمطين مختلفين في إنتاج الوعي: وعي يبحث عن الحقيقة مهما كانت معقدة، ووعي يبحث عن اليقين ولو كان زائفًا.
إن التاريخ يعلمنا أن الحضارات التي احترمت العقل لم تكن معصومة من الأخطاء، لكنها امتلكت القدرة على تصحيح أخطائها. أما الحضارات التي قدست الأوهام فقد فقدت حتى القدرة على إدراك مواضع الخلل، لأن الوهم، حين يتحول إلى عقيدة جماعية، يصبح مقاومًا لكل محاولة إصلاح.
ويكشف التاريخ أن ازدهار الحضارات ارتبط، في الغالب، بقدرتها على تحويل الشك المنهجي إلى فضيلة معرفية، بينما ارتبطت مراحل الانحطاط بسيادة المسلمات التي تُحظر مناقشتها. فكلما ضاقت مساحة السؤال الحر، اتسعت مساحة اليقين المغلق، وكلما اتسعت مساحة اليقين المغلق، تقلصت قدرة المجتمع على الابتكار والتجديد والتصحيح الذاتي.
ولهذا فإن بناء الدولة الحديثة يبدأ من بناء العقل النقدي، لا من بناء الحجر وحده؛ لأن المؤسسات لا تحمي نفسها إذا كان الوعي الذي يديرها وعيًا منغلقًا أو خاضعًا للدعاية والانفعال.
إن السؤال الحقيقي ليس: كيف نقنع الناس بالعقل؟ بل كيف نبني بيئة اجتماعية وثقافية يصبح فيها العقل هو الخيار الأكثر جدوى، والأكثر احترامًا، والأكثر قدرة على التأثير في صناعة المستقبل؟
إن الأمم التي تجعل التفكير النقدي قيمة عليا تمتلك قابلية دائمة للتجدد، بينما الأمم التي تستبدل العقل بالتلقين تدخل في دائرة مغلقة تعيد إنتاج أزماتها جيلًا بعد جيل.
ولذلك فإن النهضة ليست مشروعًا اقتصاديًا فقط، ولا سياسيًا فقط، بل هي مشروع لإعادة الاعتبار للعقل بوصفه المؤسسة الأولى التي تُبنى عليها جميع المؤسسات الأخرى.
إن العبارة القائلة: (اللاعقل بضاعة رائجة، والعقل بضاعة كاسدة) ليست حكمًا نهائيًا على التاريخ، وإنما هي جرس إنذار حضاري، يلفت الانتباه إلى أن قيمة العقل لا تُقاس بمدى رواجه الآني، وإنما بقدرته على صناعة مستقبل أكثر عدلًا واستقرارًا وازدهارًا. فربما يحقق اللامعقول انتصارات مؤقتة، لكنه يعجز عن بناء حضارة؛ أما العقل، فقد يتأخر انتصاره، لكنه وحده القادر على تأسيس نهضة تبقى آثارها عبر الأجيال.
وربما كان أخطر ما يميز القرن الحادي والعشرين أن الصراع لم يعد يدور حول امتلاك الثروة أو القوة العسكرية وحدهما، بل حول امتلاك القدرة على تشكيل الإدراك الجمعي وتحديد ما يُعد حقيقة في نظر الجماهير.
إن دخول الذكاء الاصطناعي إلى مجال إنتاج المحتوى يضيف بعدًا جديدًا لهذه الإشكالية؛ إذ لم يعد اللامعقول نتاجًا للتلقائية البشرية وحدها، بل قد يصبح نتيجة عمليات آلية قادرة على إنتاج نصوص وصور ومقاطع مرئية بالغة الإقناع في زمن قياسي. ومع اتساع استخدام الأدوات التوليدية، تزداد الحاجة إلى مهارات التحقق والتفكير النقدي، لأن التحدي لم يعد يقتصر على الوصول إلى المعلومات، بل يمتد إلى القدرة على التمييز بين المحتوى الموثوق والمحتوى المصنوع للتأثير أو التضليل. وهكذا تصبح التربية النقدية شرطًا أساسيًا للتعامل مع بيئة معلوماتية تتداخل فيها الحقيقة والتمثيل والمحاكاة بدرجات غير مسبوقة.
ومن ثم، فإن معركة المستقبل لن تُحسم في ميادين السلاح بقدر ما ستُحسم في ميادين الوعي؛ حيث يغدو العقل المورد الاستراتيجي الأعلى قيمة، ويصبح الاستثمار في التربية النقدية والمعرفة الرصينة الشرط الأول لبناء الدول القادرة على الصمود في عالم تتسارع فيه عمليات إنتاج الوهم وإعادة تدويره.