د. ياسين علي محمد عزي
لا يبدأ العصر الذهبي للعلاقات العامة عندما تصبح المؤسسات أكثر قدرةً على إقناع الناس، بل عندما تصبح أقل حاجة إلى إقناعهم. فالثقة لا تولد من براعة الرسائل، وإنما من اللحظة التي تتطابق فيها الكلمة مع الواقع، والصورة مع الحقيقة، وما يُقال مع ما يراه الناس بأعينهم.
ومن هنا يمكن قراءة ما نقلته صحيفة «الرياض» عن حديث صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، لصحيفة «نيويورك تايمز»، حين قال: «أنا حريص أن أراها تتحقق بأم عيني».
ليست هذه العبارة وصفاً لطموح وطني فحسب، بل تكاد تؤسس لفلسفة اتصال مؤسسي كاملة؛ فالمعيار ليس ما تستطيع المؤسسة أن تقوله عن نفسها، بل ما يستطيع الناس أن يشهدوا بتحققه. وحين تصبح العين هي الحكم على الكلمة، تتحول العلاقات العامة من صناعة الانطباع إلى صناعة الثقة، ومن تزيين الإنجاز إلى حمايته، ومن ملاحقة الرأي العام إلى الإسهام في بناء واقع يغني عن المبالغة، لأن الحقيقة وحدها تصبح أبلغ وسائل الإقناع.
ولهذا فإن شعار اليوم العالمي للعلاقات العامة هذا العام، «العصر الذهبي للعلاقات العامة الإستراتيجية»، لا يعكس مجرد تطور في أدوات المهنة، بل يعبر عن تحول أعمق في فلسفتها ودورها؛ من صناعة الانطباع إلى بناء الثقة، ومن تحسين الصورة إلى حماية الحقيقة، ومن شرح القرار إلى تعميق فهمه لدى الجمهور.
فالعصر الذهبي للعلاقات العامة لا تصنعه كثرة المنصات، ولا سرعة النشر، ولا اتساع الحضور الإعلامي، بل قدرتها على قراءة القرار قراءة واعية، وتقديمه بلغة دقيقة، وبناء فهم متوازن لأهدافه وآثاره، دون مبالغة أو تهويل.
في هذا الموقع الجديد لا يعود السؤال: كيف نعلن القرار؟ بل: كيف سيفهمه الناس؟ وما أثره فيهم؟ وهل تستطيع التجربة الفعلية للمستفيد أن تؤيد الرواية التي ستقدمها المؤسسة عنه؟ وهل تكشف الرسالة الحقيقة كلها، أم تختار منها ما يصنع صورة مؤقتة سرعان ما يبددها الواقع؟
هذه الأسئلة لا تضعف القرار، بل تحمي صدقية الخطاب المصاحب له. فالعلاقات العامة الإستراتيجية لا تأتي لتجميل ما لا يمكن الدفاع عنه، وإنما لتقديم القرار كما هو، بلغة واضحة ومسؤولة، تستبق سوء الفهم، وتختبر الرسائل، وتقرأ المزاج العام، وتقلص الفجوة بين مقاصد المؤسسة وما يفهمه الجمهور.
ولعل هذا التحول يكتسب أهمية أكبر في زمن أصبحت فيه السمعة أصلاً مؤسسياً لا يقل قيمة عن الأصول المادية. قد تمتلك المؤسسة منشآت حديثة وموارد كبيرة ومشروعات واعدة، لكنها تظل معرضة للخسارة إذا عجزت عن بناء علاقة صادقة ومستقرة مع جمهورها. فالسمعة لا تتكون من حملة واحدة، ولا يحميها بيان واحد، بل تصنعها حصيلة طويلة من القرارات والتجارب والاستجابات والوعود التي صدقت أو أخفقت.
والثقة، في هذا المعنى، ليست شعوراً عابراً ولا نتيجة تكميلية للعمل، بل رأس مال غير منظور. تتراكم ببطء، وتنفق بسرعة، وقد تحتاج المؤسسة إلى سنوات لبنائها ثم تخسر جزءاً كبيراً منها في لحظة مبالغة أو إنكار أو استهانة بتجربة الناس.
لهذا لا تكون العلاقات العامة حارسة للسمعة لأنها تدافع عن المؤسسة في كل الأحوال، بل لأنها تحمي صدقية خطابها. فقد تكون النصيحة الأصدق ألا ينشر الخبر الآن، أو ألا يوصف المشروع بلغة الاكتمال، أو ألا يعلن الوعد قبل توافر القدرة على الوفاء به. وقد تكون المصلحة الحقيقية في الاعتراف بالنقص، وشرح أسبابه، وتحديد ما سيعالج منه، بدلاً من إخفائه خلف لغة لا تصمد أمام أول اختبار.
المؤسسات الناضجة لا تخشى الاعتراف بالتحديات؛ لأنها تدرك أن الصدق لا ينتقص من الهيبة، بل يمنحها أساساً أكثر صلابة. أما المؤسسة التي تتعامل مع كل ملاحظة بوصفها تهديداً، وكل نقد بوصفه خصومة، فإنها قد تنجح في إسكات السؤال لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إلغاء التجربة التي أنجبته.
ومن هنا تتصل العلاقات العامة بالحوكمة اتصالاً مباشراً. فالشفافية ليست فقرة تضاف إلى البيان، والاستجابة ليست إجراءً إعلامياً بعد وقوع الأزمة، والسمعة ليست صورة منفصلة عن الممارسة المؤسسية. كلها تبدأ من طريقة عمل المؤسسة، وعدالة إجراءاتها، ووضوح مسؤولياتها، وقدرتها على الاستماع والتصحيح.
وحين تنفصل العلاقات العامة عن هذه الجذور، تتحول إلى واجهة تزداد بريقاً بينما يتسع خلفها الخلل. أما حين تتصل بها، فإنها تصبح ضميراً اتصالياً للمؤسسة؛ يذكرها بأن كل قرار يحمل رسالة، وأن كل تجربة يصنعها المستفيد قد تكون أقوى من ألف منشور، وأن ما يقوله الموظفون والعملاء والشركاء بعد تعاملهم معها هو الاختبار الحقيقي لما تقوله هي عن نفسها.
وفي المملكة، حيث تمضي رؤية السعودية 2030 في بناء تحولات واسعة تتصل بالاقتصاد والمجتمع وجودة الحياة والخدمات العامة، تصبح الحاجة إلى هذا النوع من العلاقات العامة أكثر إلحاحاً. فحجم التحول لا يحتاج إلى صوت مرتفع بقدر حاجته إلى خطاب دقيق يعرف كيف يضع كل منجز في سياقه، ويميز بين ما اكتمل ولا يزال في طور البناء، ويمنح الأرقام معناها الإنساني بدل أن يكتفي بعرضها.
المنجز الوطني الكبير لا تحميه المبالغة، بل قد تضعفه؛ لأنها تنقل النقاش من قيمته الحقيقية إلى صدقية اللغة التي قدم بها. أما الخطاب الرصين فيمنح الإنجاز فرصة أن يتحدث بنفسه، ويترك للناس أن يروه في الطريق والخدمة والفرصة وجودة الحياة، قبل أن يطلب منهم الاحتفاء به.
وهنا تظهر قيمة العبارة التي تؤكد الحرص على رؤية ما يتحقق بالعين. فهي لا تقلِّل من شأن الكلمة، بل تعيدها إلى موقعها الصحيح. الكلمة ليست بديلاً عن الفعل، وإنما شاهدة عليه، وحافظة لمعناه، وجسر يصل بينه وبين وعي الناس. وكلما صدقت الكلمة ما تراه العين، أصبحت جزءاً من الإنجاز نفسه، لا مجرد تعليق عليه.
ويزداد هذا المعنى أهمية مع صعود الذكاء الاصطناعي، الذي منح المؤسسات قدرات واسعة على إنتاج المحتوى وتحليل الاتجاهات ورصد التفاعلات وصياغة الرسائل بسرعة. غير أن وفرة المحتوى لا تعني بالضرورة جودة الاتصال، وقد تجعل الخطاب أكثر تشابهاً وبرودة وانفصالاً عن التجربة الإنسانية إذا استخدمت التقنية بغير وعي.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع أن يقترح العبارة، لكنه لا يتحمَّل مسؤوليتها الأخلاقية. يستطيع أن يحلِّل المزاج، لكنه لا يملك ضمير المؤسسة. وقد يساعد في إدارة الأزمة، لكنه لا يستطيع أن يقرر وحده ما ينبغي الاعتراف به وما يجب تصحيحه. لذلك تصبح الحاجة إلى المهني المسؤول أكبر، لا أقل؛ لأن سهولة صناعة الرسائل ترفع قيمة من يعرف متى يتكلم، وماذا يقول، وما الذي ينبغي ألا يُقال قبل أن يثبته الواقع.
العصر الذهبي للعلاقات العامة، إذن، ليس عصر التقنية وحدها، بل عصر المسؤولية. إنه زمن تتسع فيه مسؤولية الممارس المهني، فينتقل من مجرد نقل الرسائل إلى ترسيخ الثقة، ومن متابعة التفاعل إلى تعزيز الفهم، ومن إدارة الاتصال إلى حماية المصداقية.
ولا يكتمل هذا التحول من دون أخلاقيات مهنية واضحة. فكلما اتسعت أدوات العلاقات العامة وقدرتها على الوصول، ازدادت مسؤوليتها. ولا يكفي أن تكون الرسالة مقنعة، بل يجب أن تكون عادلة وصادقة وغير مضللة، وأن تحترم عقل الجمهور وحقه في المعرفة، وألا تحول الإنسان إلى رقم أو انطباع يمكن توجيهه بأي وسيلة.
فالقوة الحقيقية للاتصال لا تظهر في قدرته على إخفاء الحقيقة، بل في قدرته على تقديمها بما يساعد الناس على فهمها. ولا تقاس براعة العلاقات العامة بقدرتها على إنهاء الجدل سريعاً، بل بقدرتها على بناء علاقة تصمد بعد انتهائه.
ومن هنا فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغل المؤسسات اليوم ليس: كم مرة ظهرنا؟ ولا: كم بلغ حجم التفاعل؟ بل: ماذا أصبح الناس يعرفون عنا؟ وما الذي شعروا به بعد تعاملهم معنا؟ وهل ازدادت ثقتهم لأن تجربتهم صدقت رسالتنا، أم تراجعت لأن الكلمات وعدتهم بما لم يجدوه؟
تلك هي المقاييس التي تفتح الباب فعلاً أمام العصر الذهبي للعلاقات العامة. عصر لا تكون فيه المهنة صانعة ضجيج حول المؤسسات، بل صانعة وعي داخلها. لا تبحث عن صورة أجمل من الحقيقة، بل تساعد الحقيقة على أن تصبح جديرة بأن ترى.
وحين قال ولي العهد: «أنا حريص أن أراها تتحقق بأم عيني»، فقد وضع، في عبارة واحدة، معياراً لا يخص الطموح وحده، بل يمتد إلى كل خطاب يرافقه؛ أن يظل ما يُقال وفياً لما يمكن أن يُرى، وأن تكون الكلمة في خدمة الإنجاز لا سابقة عليه.
فالعين ترى الحقيقة، والفعل يصنعها، والعلاقات العامة تحمي المسافة بينهما. وما لا يبنيه الفعل لا تستطيع الكلمات أن تقيمه، أما ما يتحقق بصدق، فلا يحتاج إلى ضجيج يثبته، بل إلى كلمة أمينة تحفظ معناه وتمنحه ما يستحقه من ثقة.
** **
- أكاديمي وكاتب سعودي