د. نجوى علي غريب
في ظل التطورات المتسارعة في نظريات التعلم الحديثة، لم يعد يُنظر للتعليم بوصفه عملية نقلٍ للمعلومات من المعلم إلى المتعلم، بل أصبح عملية بنائية تفاعلية يقوم فيها المتعلم بدورٍ محوري في بناء معرفته من خلال التجربة والاستكشاف، وقد أسهمت النماذج التربوية المعاصرة المستندة إلى نظريات التعلم، مثل: التعلم البنائي والتعلم التجريبي والتعلم بالاكتشاف في إعادة تشكيل مفهوم الفصل الدراسي؛ ليصبح بيئة نشطة تُحفّز التفكير، وتدعم الفهم العميق.
انطلاقًا من هذا التحوّل، لم يعد الفصل الدراسي مجرد مساحة لتنفيذ الدروس التقليدية، بل أصبح قابلًا للتحوّل إلى مختبر للاكتشاف، تُمنح فيه الفرصة للمتعلمين للملاحظة والتجريب وطرح الأسئلة واكتشاف المعرفة بأنفسهم ضمن توجيه تربوي واعٍ من المعلم.
ومفهوم الفصل الدراسي كمختبر للاكتشاف يقوم على مجموعة من النظريات التربوية الحديثة، أبرزها: التعلم البنائي الذي يرى أن المتعلم يبني معرفته بنفسه من خلال التفاعل مع الخبرات التعليمية السابقة والجديدة، والتعلم التجريبي ( نموذج كولب) الذي يؤكد أن التعلم يحدث عبر الخبرة المباشرة والتأمل والتجريب، والتعلم بالاكتشاف الذي يشجّع المتعلم على الوصول إلى المعرفة من خلال البحث والاستقصاء بدل التلقين.
هذه النظريات مجتمعة تعيد تعريف دور الفصل الدراسي؛ ليصبح مساحة نشطة تشبه المختبر في جوهره القائم على التجربة والاكتشاف، وتوجد عدة نماذج تعليمية حديثة تدعم هذا التوجّه، من أبرزها: التعلم القائم على الاستقصاء حيث يطرح المتعلم أسئلة، ويبحث عن إجاباتها بنفسه، والتعلم النشط الذي يجعل المتعلم مشاركًا فاعلًا في بناء الدرس، والتعلم القائم على حل المشكلات الذي يضع المتعلم في مواقف واقعية تتطلب منه التفكير والتحليل، ونموذج دورة التعلم العميق (7Es) الذي يعدّ نموذجا تعليميا بنائيا متطورًا يتجاوز الحفظ المؤقت؛ ليصل بالمتعلم إلى الفهم العميق والقدرة على إعادة إنتاج المعرفة بطرائق جديدة.
لقد نشأ هذا النموذج كامتداد مطوّر لنموذج دورة التعلم الخماسية (5Es) الذي قام على خمس مراحل هي: (مرحلة الاستثارة أو الجذب، ومرحلة الاستكشاف، ومرحلة الشرح أو التفسير ،و مرحلة التدقيق أو التوسّع، ومرحلة التقويم ) والذي قدمته دراسة مناهج العلوم البيولوجية في ثمانينيات القرن الماضي ، ولكن في عام (2003)قام العالم آرثرأيزنكرافت (Eisenkraft) بإضافة مرحلتي «الاستحضار» و»الإثراء أو التمديد»؛ ليصبح أكثر شمولاً وعمقاً، بهدف ضمان ربط التعلم بالمعارف السابقة ونقله إلى سياقات حياتية متنوعة خارج إطار المدرسة.
والميدان التربوي بحاجة ماسة لمثل هذا النموذج التدريسي؛ لأنه بمراحله السبع يأتي انسجاما مع الاتجاه التربوي المعاصر الذي يميل إلى الموازنة بين التوجيه العلمي للمعلم، والنشاط الذاتي للمتعلم؛ لتحقيق تعلّم أعمق وأكثر فاعلية، وهذا غاية ما تنشده أي مؤسسة تعليمية، ويستعرض المقال نموذجا عمليا لتوظيف نموذج دورة التعلم العميق (7Es). مع دمجه بالواقع الافتراضي في تدريس ( الفاعل ) في مادة اللغة العربية وفق سبع مراحل تبدأ بالاستحضار، وتنتهي بالإثراء والتمديد، تجعل من الفصل الدراسي بيئة حية تشبه المختبر، حيث الملاحظة والتجربة والتحليل والاكتشاف بعيدًا عن التلقين والحفظ.
ففي مرحلة الاستحضار (Elicit) وفق نموذج (7Es)في شرح درس الفاعل لا يكون الهدف تعليم مفهوم الفاعل لأول مرة، وإنما يتم استدعاء الخبرات السابقة المرتبطة بالموضوع للكشف عما يعرفه المتعلمون عن الفعل تمهيدًا لبناء التعلم الجديد، والهدف من هذه المرحلة هو تحديد المعارف السابقة واستكشاف الفجوات المعرفية لدى المتعلم . بما يتيح للمعلم معالجتها وردمها قبل الشروع في بناء المفهوم الجديد؛ ليضمن انطلاق المتعلم في الخبرة التعليمية الجديدة من أساس معرفي راسخ، ويعزّز ترابط الخبرات السابقة واللاحقة لديه، ويجعل التعلم الجديد أكثر عمقًا وثباتًا.
-أما في مرحلة الجذب والاستثارة Engage) ( وفق منهجية نموذج( (7Es ، يكون الهدف إثارة الفضول لدى المتعلم وإيجاد حاجة لديه لتعلم المفهوم الجديد، فبعد أن يستحضر المتعلمون معلوماتهم السابقة، يطلب المعلم من أحد المتعلمين القيام بحركة معينة، مثل: إغلاق الباب، ثم يسأل : ماذا حدث ؟ فتكون الإجابة : أُغلق الباب، ثم يسأل: من الذي أحدث هذا التغيير في الغرفة؟ وبعد الاستماع لإجاباتهم يطرح عليهم بعض الأسئلة، ويجعلهم يبحثون عن الفاعل في مواقف حياتية داخل الفصل، ثم ينتقل بهم من الفاعل الحسيّ ( الشخص) إلى الفاعل اللغوي، الاسم المرفوع، وهو بهذا يحقّق فلسفة البنائية في النموذج التعليمي المستخدم ،ثم ينتقل بالمتعلمين إلى مرحلة الاستكشاف (Explore) فيكلفهم بنشاط فردي أو تعاوني لاكتشاف المفهوم، والأفضل أن تنفذ هذه المرحلة باستخدام المختبر الافتراضي بشكل فردي أولي قصير، ثم يعقبه عمل تعاوني داخل المجموعات بهدف مناقشة النتائج والتوصل إلى استنتاج مشترك حول مفهوم الفاعل من خلال الملاحظة، والتحليل، والتجريب اللغوي، وهكذا يصبح المتعلم مكتشفًا للمفهوم، وليس متلقيًا لتعريف جاهز، فيتحوّل الفصل الدراسي إلى مختبر تعلم قائم على الاسكتشاف، وتأتي بعد ذلك مرحلة الشرح والتفسير( Explain) التي يتم الانتقال فيها من خبرات المتعلمين التي توصلوا إليها في مرحلة الاستكشاف إلى بناء المفهوم اللغوي بصورة منظمة وواضحة،فيقوم المعلم بمناقشة نتائج المتعلمين التي توصلوا إليها في المختبر الافتراضي ، ويوجّه لهم أسئلة تفسيرية تساعدهم على تحديد وظيفة المفهوم اللغوي المكتشف، وهو الفاعل، مثل: من الذي قام بالفعل؟ وما موقعه في الجملة؟ وما علامة إعرابه؟ ثم يطلب منهم صياغة استنتاجاتهم بلغة بسيطة تمهيدًا لبناء التعريف العلمي؛ ليقودهم تدريجيًا إلى القاعدة النحوية الدقيقة بأن الفاعل هو الاسم الذي يدل على من قام بالفعل، ويأتي غالبًا بعده ويكون مرفوعًا، مع توضيح خصائصه وتثبيت المفهوم من خلال أمثلة جديدة قصيرة للتحقق من الفهم وتصحيح أي استنتاجات غير دقيقة، ثم تكون مرحلة التوسّع ( Elaborate) التي يتم فيها نقل تعلم مفهوم الفاعل من إطار الدرس إلى سياقات أوسع وأكثر ارتباطًا بالحياة الواقعية، بهدف تمكين المتعلم من توظيف المعرفة في مواقف جديدة وغير مألوفة، حيث يتم تكليف المتعلمين بإنشاء جمل من واقع خبراتهم اليوميفي المدرسة أو المنزل أو البيئة المحيطة، أو تحويل صور ومشاهد حياتية إلى جمل تحتوي فاعلا واضحا، كما يمكن أن يُطلب منهم كتابة فقرة قصيرة أو موقف حياتي يستخدمون فيه الفاعل استخدامًا صحيحًا، مثل وصف نشاط مدرسي أو حدث يومي، مع تحديد الفاعل في كل جملة، وبذلك ينتقل المتعلم من مجرد فهم القاعدة إلى توظيفها عمليًا في التعبير الكتابي والشفهي داخل الفصل الدراسي، مما يعزز ترسيخ المفهوم، وينمي القدرة لدى المتعلم على استخدامه في مواقف تواصلية حقيقية، وهنا تأتي مرحلة التقويم ( Evaluate ) التي يتم فيها قياس مدى تحقق أهداف التعلم المتعلقة بمفهوم الفاعل، حيث يتأكد المعلم من قدرة المتعلمين على تحديد الفاعل في جمل جديدة لم تُعرض سابقًا، وبيان وظيفته اللغوية من خلال أسئلة شفوية أو أنشطة قصيرة أو مواقف كتابية بسيطة، مثل استخراج الفاعل من جمل متنوعة أو تكوين جملة تحتوي على فاعل واضح، مع تبرير اختيارهم، كما يمكن استخدام أسئلة تقويمية فورية داخل المختبر الافتراضي تعتمد على التغذية الراجعة المباشرة، وبذلك لا يقتصر التقويم على معرفة التعريف فقط، بل يمتد إلى قياس الفهم العميق للمفهوم، وقدرة المتعلم على التطبيق والتحليل، مما يتيح للمعلم الحكم على مدى إتقان المتعلمين للمهارة واتخاذ قرارات تعليمية مناسبة للتعزيز والإثراء أو العلاج، ويتم التركيز في مرحلة الإثراء أو التمديد( Extend) على نقل أثر التعلم وتطبيقه في سياقات جديدة تماماً تتجاوز حدود الفصل الدراسي التقليدي، وهي عملية تهدف إلى دفع المتعلمين نحو البحث المستقل واستخدام المعارف والمهارات التي اكتسبوها في مواقف وقضايا لم تُطرح سابقاً، كتكليفهم بكتابة تقرير عن نشاط مدرسي مستخدمين الفاعل بصورة صحيحة أو إعداد خبر صحفي أو مقابلة أو توظيف القاعدة في مشروع إعلامي أو إذاعة مدرسية، وهكذا ينتقل التعلم إلى سياق جديد خارج إطار التدريبات المباشرة للدرس، مما يسهم بشكل مباشر في تعزيز التفكير لدى المتعلمين وتمكينهم من المفاهيم بعيدا عن الحفظ والتلقين.
إنّ دور المعلم في بيئة كهذه يتغير بشكل جذري؛ فهو لم يعد المصدر الوحيد للمعرفة، بل يصبح: موجّهًا لعملية التعلم، ومصممًا لخبرات تعليمية محفزة للتفكير ، ومطورًا لأسئلة تستثير الفضول، وداعمًا للتعلم التعاوني والاستكشافي، وبذلك يتحوّل دوره إلى مهندس حقيقي لعملية التعلم؛ لأنه يقوم بتصميم بيئة تساعد المتعلمين على الاكتشاف.
أما المتعلم ، فإنه يصبح باحثًا نشطا يلاحظ ويجرب ويطرح الأسئلة ويصوغ الفرضيات ويعمل ضمن مجموعات تعاونية.، ويبني معرفته من خلال التجربة والخطأ، فيتحوَّل التعلم لديه إلى تجربة شخصية نشطة بدل أن يكون متلقيًا سلبيًا للمعلومة، وتجدر الإشارة هنا إلى أنه يمكن تحقيق هذا التحوّل من خلال مجموعة من الاستراتيجيات الحديثة الأخرى إضافة إلى نموذج ( (7Es، أبرزها: التعلم القائم على المشاريع، وإجراء تجارب صفية بسيطة مرتبطة بالمحتوى، والتعلم التعاوني القائم على المهام، وتوظيف التقنيات التعليمية الحديثة والذكاء الاصطناعي، هذه الأدوات بمجملها تجعل المعرفة قابلة للتجربة والفهم العميق.
ورغم أهمية هذا التوجّه، إلا أن هناك بعض التحديات التي يمكن أن تواجه تطبيق مثل هذه النماذج التعليمية والاستراتيجيات الحديثة ككثافة المنهج الدراسي، والحاجة إلى تدريب المعلمين على النماذج الحديثة ومحدودية الإمكانات في بعض البيئات التعليمية، ومع ذلك يمكن تجاوز هذه التحديات من خلال تبسيط تصميم الأنشطة التعليمية وتوفير برامج تدريب مستمرة للمعلمين ،وتوظيف التقنيات والأدوات الرقمية الحديثة.
إنّ تحويل الفصل الدراسي إلى مختبر للاكتشاف لا يعتمد على تغيير شكل البيئة الصفية داخل الفصل الدراسي بقدر اعتماده على تبني فلسفة تعليمية حديثة تستند إلى النماذج التربوية المعاصرة ونظريات التعلم البنائي والتجريبي والتعلم بالاكتشاف؛ لأنّ جوهر التعلم بالاكتشاف لا يكمن في أن يتعلم الطالب ماذا يفكّر، بل في أن يتعلم كيف يفكّر؟ وعندما يصبح المتعلم محور العملية التعليمية، والمعلم موجّهًا لرحلة التعلم، تتحوّل المعرفة إلى تجربة حيّة نابضة بالاكتشاف والتفكير والإبداع، ويغدو التعلّم عملية مستمرة تُنمّي العقل، وتعزّز الاستقلالية، وتُعدّ متعلمًا قادرًا على مواجهة تحديات الحياة، والتكيف مع متغيراتها، منتجا للمعرفة لا متلقيا لها.
** **
- أستاذ المناهج وطرق التدريس في جامعة المدينة العالمية