صالح الشادي
مع بزوغ كل فجر، يودع الملايين من الرجال بيوتهم وأحضان أطفالهم، متجهين إلى ميادين العمل في قارات بعيدة أو شوارع قريبة؛ منهم المغترب الذي يعبر المحيطات، والعامل الذي ينهض قبل الشمس، والطيار والطبيب وحارس الحدود. كل هؤلاء يحترقون شوقاً ويتعبون جسداً، لكنهم يمضون قدماً بإيمان راسخ بأن كرامة أسرتهم تُصنع بخطواتهم المتعبة، وبأن الرزق لا يأتي إلا بالسعي والكدح، وأن الله قد جعل الأرض ذلولاً للإنسان ليستخرج خيراتها، فمن لم يتحرك لم ينل، ومن لم يسعَ لم يُرزق. وفي الجهة المقابلة، تقوم الأمهات بواجبهن الجليل في تربية الأبناء، ومتابعة صحتهم وتعليمهم، وإدارة شؤون المنزل بكل تفاصيله، ليبقى دافئاً وآمناً، وكأنهن يزرعن المستقبل بأيديهن الصابرات. إنها شراكة غير مكتوبة لكنها محفورة في أعماق العلاقة، تكاملٌ إنساني يضمن استمرار الحياة واستقرارها، فكما يحتاج الجسد إلى غذائه، تحتاج الأسرة إلى نظام يوزع الأدوار بحكمة، وهذا النظام هو سر تماسك المجتمعات عبر العصور.
وإذا تأملنا هذا النمط العائلي، نجده ليس وليد العصر، بل هو سنة كونية جبل الله عليها الخلق؛ ففي عالم الطير والحيوان، يخرج الذكر للبحث عن القوت بينما تبقى الأنثى لرعاية الصغار، كلٌ ميسر لما خلق له، وتوزيع الأدوار هذا يحمل حكمة بالغة في استمرارية النوع، وهو ما يدفعنا إلى التأمل في عظمة الخلق وتناسقه. والإنسان وإن كان له وعي واختيار، يبقى التكامل سبيله الأنجح لمواجهة متطلبات الحياة، فلا غنى للرجل عن رعاية المرأة، ولا غنى للمرأة عن جهد الرجل، وإن اختلفت الأشكال وتنوعت الظروف. وقد جاء الوحي مؤكداً لهذه السنة، فقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا}، داعياً إلى الحركة وطلب الرزق، وقال: {قُلْ سِيرُواْ فِي الأَرْضِ}، للحث على التأمل والاعتبار، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن «كُلّ مُيَسَّرٍ لِمَا خُلِقَ لَهُ»؛ فهي أقدار وأرزاق، ولكل امرئ ما ييسر له من دور ومسؤولية، ولا ينبغي لنا أن ننظر إلى مشقة الآخر باستصغار، فلكلِّ مجتهد نصيب من الأجر عند الله، كما قال تعالى: {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ}.
وإن كان هذا النمط قد يسبب خلافاً أو ضيقاً لدى البعض، فإن المخرج يكمن في التعامل بحكمة ووعي: بتقدير الجهود بين الزوجين، والتواصل المستمر رغم المسافات، والمشاركة الفعلية في شؤون الأسرة عند التمكن، وتعريف الأبناء بتضحيات آبائهم ليشعروا بالفخر لا بالحرمان، لأن غياب الأب قد يُفسر في أذهان الصغار خطأ بأنه تخلي، بينما هو في حقيقته ذهاب لإعالتهم ورعايتهم، وهذا ما ينبغي غرسه في نفوسهم بحكمة. كما أن على الزوجين أن يتحاورا بصراحة حول احتياجاتهما النفسية والعملية، وألا يختزلا العلاقة في أدوار جامدة، بل يسمحا للمرونة بأن تدخل حياتهما حسب الظروف والقدرات. وفي عالم اليوم، أصبحت التكنولوجيا جسراً يختصر المسافات، ووسيلة لتجاوز وحدة الغربة، فالمكالمات اليومية ومشاركة اللحظات الصغيرة تعيد بناء الشعور بالوجود رغم البعد، وتذكر كل طرف بأن الآخر حاضر في القلب وإن غاب بالجسد.
إنها دعوة لأن نتقبل سنة الحياة برضا، وأن نكون عوناً لبعضنا، لا أن نجعل التحديات أسباباً للفرقة. فالحياة تقوم على التعاون، والإنسان خُلق ليعيش في جماعة، وليس من العيب أن يتعب الرجل في عمله أو تتعب المرأة في بيتها، بل العيب أن ننسى أن لكلٍّ أجرَه عند الله، وأن القيمة ليست في حجم المشقة بل في صدق النية وحسن الأداء. وكم من أسرة انهارت بسبب عدم التقدير، وكم من علاقة تعست لأن كل طرف نظر إلى جهده دون جهود الآخر! وفي المقابل، كم من أسر ازدهرت عندما أدرك أفرادها أنهم فريق واحد، وأن نجاحهم مرهون بتعاونهم وتفاهمهم! فلنمد أيدينا إلى بعضنا، ولنشكر كل أب يكدح وكل أم ترعى، ولنصنع من الألم جسراً إلى الأمل، ومن الغربة قرباً في القلوب. سبحان من يسر الأرزاق، وجعل البيوت أوطاناً، وجعل السعي عبادة، والعطاء قربة، وألهمنا الصبر على مشاق الحياة، ووعدنا بالأجر على كل تعب نتحمله في سبيل من نحب.