د. يوسف بن طراد السعدون
«دون كيخوته» بطل رواية تحمل الاسم نفسه، كتبها الإسباني ميغيل دي ثيربانتس أوائل القرن السابع عشر. تدور أحداثها حول الوهم البطولي نتيجة الهوس بأفكار خيالية، وتضمنت سخرية من البطولات الزائفة. بطل الرواية فقد عقله بسبب شغفه بقراءة روايات الفروسية، فنصب نفسه فارساً مقتنعاً أنه يخوض معارك ضد أعداء غير موجودين إلا في مخيلته. حيث تراءى له في الأفق غبار كثيف فظن أنه جيش أشرار، فاندفع بجواده يخوض المعركة ليثبت شجاعته، بينما الأمر كان قطيعاً من الأغنام. وأسفرت المعركة عن قتل عدد منها، وكسور في جسده. وقاتل أيضاً، طواحين الهواء، متوهماً أنها شياطين. حيث رماها برمحه فرفعته أذرعها ودارت به ورضّت عظامه. وشاع مشهد محاربة طواحين الهواء، رمزاً للمعارك غير المجدية.
اليوم بعد قرون من صدور تلك الرواية، نجد تجسيداً لها على أرض الواقع العالمي. فبينما هناك بعض الأنظمة والقادة يسعون لبناء الأرض والإنسان وتنمية أوطانهم وحماية سيادتها وأمنها، نجد آخرين يهدرون حياتهم وثروات طائلة من مقدرات بلدانهم في محاربة طواحين الهواء.
فإذا ما نظرنا إلى النظام الإيراني الثوري نجده يشرع وفق منظوره، على غرار دون كيخوته، حرباً مقدسة ضد الشياطين من كل الأعراق والجنسيات والأديان، ويملأ عالمه دائماً بأعداء متخيلين يتوجب القضاء عليهم. وسعى في سبيل ذلك لامتلاك أشد أنواع أسلحة الدمار الشامل فتكاً، ليتسنى له مواجهة ما يراه مؤامرات وتحقيق الهيمنة ونشر عقيدته. وادعى قادته المتشددون أن الإيرانيين صنعوا الثورة ليس من أجل الخبز أو تفاهات هذه الحياة، بل لأجل الخلاص من الشرور. وتبنى حرسهم الثوري نهجاً عدوانياً وإقصاء لكل من لا يسير في ركبهم، وسياسة خارجية تقوم على تصدير الثورة، مرددين شعارات المعركة بين «الحق والباطل» وبين «الإسلام والكفر». فخاضوا منذ الثورة عام 1979 حروباً وسلسلة من الصراعات والنزاعات الإقليمية والداخلية الممتدة إلى يومنا هذا. وداوموا على زعزعة الاستقرار في الشرق الأوسط، بتشكيل وتدريب الميليشيات في كل من العراق ولبنان وسوريا واليمن وغيرها، ودعمها بمليارات الدولارات والرجال ونشر أفكارهم الهدامة.
كما نجد تشابهاً بين بطل الرواية ودونالد ترامب، فكلاهما مهووسان بالأوهام البطولية. فدون كيخوته خاض حرباً مع طواحين الهواء، متوهماً باعتبارها شياطين. وبالمثل، شن ترامب معارك خطابية ونظامية عديدة ضد خصوم وهميين أمثال: الأوروبيين، والصينيين، ووسائل الإعلام، والشركاء التجاريين، والمهاجرين. وتطلع إلى الاستيلاء على كندا والمكسيك وغرينلاند، وهاجم فنزويلا. ويواصل التنمر على الحلفاء والخصوم، وتقويض التجارة العالمية وتهديد السلام العالمي. إنه يحلم بالهيمنة الدولية وتدوين اسمه بالتاريخ. وفي هذه المقارنة، هناك فارق بين دون كيخوته وترامب. فالأول لا يملك إلا رفيقاً معاوناً غبياً وحصاناً هزيلاً وسيفاً مثلوماً. بينما الثاني يمتلك ترسانة من الأسلحة والقوة أقلها القدرة على تعطيل الأنظمة والقوانين الدولية حسب هواه، بما فيها تشريعات الأمم المتحدة وحتى قوانين الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا). كما أن ترامب رفيقه خبيث متعطش للسيطرة والقتل، متمثلاً في المجرم نتنياهو والكيان الصهيوني، اللذين يقودونه إلى الخراب طمعاً في امتلاك الجزيرة التي يحلمون بها من النهر إلى البحر.
مغامرات دون كيخوته الجنونية انتهت في الرواية، بعدما تمكن الحكماء بقريته وأهله من تقييد تحركاته وحبسه في منزله حتى توفي. ولنا أن ننتظر ما سوف تسفر عنه الانتخابات الأمريكية القادمة، والتي بالتأكيد لن تعطي «الدون» الحالي فسحة أوسع لممارسة أوهام البطولات الزائفة على حساب كيان ومكانة الولايات المتحدة الأمريكية.
أما بالنسبة للنظام الإيراني، الذي يجد في أمريكا والغرب ملاذاً آمناً لثروات وأبناء وبنات أفراده بدءاً من المرشد الأعلى وحتى أصغر فرد بالحرس الثوري والحكومة، فمغامراته الجنونية لن تتوقف إلا بثورة داخلية تسقطه وتستبدله بما يليق بمكانة إيران. على أن يشارك بتلك الثورة، لضمان نجاحها، التجار والملالي المتعقلين، كما أثبتتها تجارب التاريخ الإيراني. ولا يجب أن تبنى تفاؤلات كبيرة على ما سوف تسفر عنه المعارك الأمريكية - الإيرانية الراهنة. فلا يبدو بعد كل هذه الأشهر أن الحرب ترمي لإسقاط النظام الإيراني، الذي لا يرغب بالسلام ويماطل لشراء الوقت. بل الهدف الضمني لتلك الحرب دعم الصناعة العسكرية الأمريكية، وتدمير واستنزاف مقدرات إيران والدول العربية الخليجية في سبيل مصلحة إسرائيل ومخططاتها التوسعية في المنطقة. لذلك الحذر مطلوب والاحتياط واجب، فقد توسع الجنون والمجانين، وتعدد الأعداء، وتنوع أعوانهم حتى أصبحنا نجدهم من بين بعض أقوامنا اللذين تلوثت عقولهم بأوهام البطولات.
المملكة العربية السعودية، ولله الحمد، استطاعت بحنكة قيادتها أن تتعامل مع التطورات في المنطقة بحكمة. فلم تستجب للضغوط الأمريكية للانخراط في الحرب والرد على الاستفزازات الإيرانية. كما لم ترضخ لتسليم مفاتيح المنطقة لإيران على مدى عمرها. ولم ترد بالمثل على المؤامرات والفتن التي تثار من هنا وهناك ضدها. بل سعت جاهدة لتخفيف الآثار الاقتصادية على أشقائها بدول الخليج والعالم أجمع، بإيجاد الطرق اللوجستية البديلة وزيادة الإنتاج البترولي. واستمرت شامخة في طريق بناء الإنسان والمكان على أرجاء أرضها المباركة.
ومن أهم التساؤلات والقضايا التي طرحتها الرواية، التي يجب تأملها بتمعن، هي: هل الإنسان قادر على تغيير العالم وفقاً لأحلامه، أم أن عليه معايشة الواقع والعمل ما أمكن على مسايرة المجريات المختلفة حوله؟ وهل احتفاظ الإنسان بثباته ومسايرته لتيار الحياة المحيط به، يُعد حكمة أم ضعفاً؟ وهل من الأخلاقيات والمبادئ الحميدة أن يُفرض على الآخرين ما يجب أن يسيروا عليه في منهاج حياتهم، والتعامل معهم بأسلوب إن لم تكن معي فأنت ضدي؟ وأليس الأحلام والطموحات الجامحة المنافية للعدالة والقانون، خطيرةٌ ومثيرةٌ للقلاقل والدمار؟
خاتمة: من أقوال الشاعر هادي القعيمة القحطاني:
من قال أنا الشاطر بكثر المطامير
فكم طمرةً بيعود منها كسيري
ومن حفر الجحران بيديه تحفير
يا كم بيلقى داب سمه سعيري
ومن هاجم العالم بكثر المعايير
فالكلب ينبح والقوافل تسيري