«الجزيرة» - وائل العتيبي:
في 21 أغسطس المقبل، يلتقي الجمهور السعودي في «عبادي الجوهر أرينا» بجدة إحدى أكثر التجارب العالمية اقترابًا من إرث مايكل جاكسون، ضمن حفلات «صيف جدة»، حين يقدم الفنان البرازيلي ليني جاي (Lenny Jay) العرض العالمي «This Is Michael»، مستعيدًا صوت «ملك البوب» وحركاته وأغانيه وروحه المسرحية، في تجربة تتجاوز حدود التقليد إلى محاولة إعادة بناء أجواء الحفل الذي صنع أسطورة أحد أكثر الفنانين تأثيرًا في تاريخ الموسيقى الحديثة.
لكن خلف الفنان الذي يقف اليوم أمام جماهير العالم قصة بدأت قبل عقود، حين كان طفلًا برازيليًا في السابعة من عمره اكتشف موسيقى مايكل جاكسون للمرة الأولى. لم يكن يعرف أن ذلك الاكتشاف الطفولي سيغير مسار حياته، وأن الموسيقى التي وجد فيها مساحة للابتعاد عن أجواء صعبة تحيط به ستقوده يومًا إلى مسارح كبرى حول العالم.
كان يقضي وقته في المنزل مستمعًا إلى أغاني «ملك البوب»، ومقلدًا صوته وحركاته وإيماءاته. ومع مرور السنوات، لم يبقَ هذا الشغف في حدود الإعجاب؛ إذ تحول إلى دراسة طويلة لصوت جاكسون وطريقة تنفسه وحركته وحضوره المسرحي، قبل أن يصبح هذا العالم مشروعًا فنيًا احترافيًا كرّس له ليني جاي سنوات من حياته.
وُلد الفنان، واسمه الحقيقي لانيو أراوخو (Lanio Araujo)، في البرازيل، حيث بدأت حكايته مع جاكسون من موقع المعجب، قبل أن ينتقل تدريجيًا من محاولات تقليد الفنان الذي ألهمه إلى بناء تجربة مسرحية كاملة تستعيد أثره أمام جمهور عالمي.
من الإعجاب إلى المسؤولية
لا ينظر ليني جاي إلى مهمته باعتبارها مجرد تقليد لفنان راحل، بل يراها مسؤولية تجاه إرث فني لا يزال حاضرًا في ذاكرة الملايين. فمنذ طفولته، ظل يدرس تفاصيل أداء جاكسون، قبل أن يحول شغفه إلى عمل احترافي، خصوصًا بعد وفاة الفنان الذي أصبح محور مشروعه الفني.
ويقول جاي إن هدفه لم يكن تقديم نسخة سطحية من مايكل جاكسون، بل إنتاج العرض الذي كان يرغب هو نفسه في مشاهدته بوصفه أحد معجبي الفنان. ولهذا، لم تتوقف التجربة عند الملابس أو الحركات الشهيرة، بل امتدت إلى الغناء والرقص واللياقة البدنية ودراسة التفاصيل الدقيقة التي صنعت شخصية جاكسون على المسرح.
وتستعيد تجربة «This Is Michael» مراحل مختلفة من مسيرة الفنان، بدءًا من سنوات «The Jackson 5»، مرورًا بمراحله وأعماله الشهيرة «Bad» و«Dangerous» و«HIStory»، وصولًا إلى مجموعة من الأغاني التي تحولت إلى علامات راسخة في تاريخ موسيقى البوب.
ست ساعات من التدريب من أجل ساعتين على المسرح
خلف الدقائق التي يراها الجمهور على خشبة المسرح، يقف نظام يومي صارم. فقد تحدث ليني جاي عن تدريبات طويلة تشمل اللياقة البدنية وتمارين الكارديو والرقص والتدريب الصوتي، إلى جانب البروفات التي تهدف إلى الحفاظ على الطاقة طوال عرض يمتد نحو ساعتين.
وفي إحدى مقابلاته، أشار إلى تخصيص نحو ست ساعات يوميًا للتدريب والبروفات؛ لأن أداء مايكل جاكسون لا يقوم على حركة واحدة أو صوت واحد، بل على القدرة على الغناء والرقص والحركة المتواصلة مع الحفاظ على الدقة والطاقة والحضور.
ولأن التشابه الجسدي يمثل جزءًا من الصورة المسرحية، خضع جاي كذلك لنظام غذائي ورياضي صارم، وتحدث عن فقدانه نحو 14 كيلوغرامًا في بداية رحلته المهنية حتى يقترب من البنية الجسدية لمايكل جاكسون. كما أصبح الحفاظ على لياقته جزءًا دائمًا من متطلبات عمله، إلى جانب إعادة النظر في بعض الأنشطة الرياضية التي قد تؤدي إلى زيادة الكتلة العضلية بما لا يتناسب مع الصورة الجسدية التي يسعى إلى تجسيدها.
الصوت.. الاختبار الأصعب
إذا كان الرقص هو الجانب الأكثر وضوحًا في أي عرض يستعيد شخصية مايكل جاكسون، فإن الصوت يظل الاختبار الأكثر حساسية. فجاكسون لم يكن يمتلك لونًا صوتيًا واحدًا؛ كان ينتقل بين النبرات الناعمة والرقيقة في الأغاني العاطفية، والأداء الحاد والقوي في أغاني الروك، وبين الهمسات والصيحات والإيقاعات الصوتية التي جعلت صوته واحدًا من أكثر الأصوات تميزًا في تاريخ الموسيقى.
ولهذا، يتطلب أداء ليني جاي تدريبًا صوتيًا مستمرًا، خصوصًا أن الغناء لا يحدث منفصلًا عن الحركة. فالمؤدي مطالب بالغناء والرقص في الوقت نفسه، مع الحفاظ على النبرة والطاقة والدقة، وهي معادلة تزداد صعوبة في عرض طويل يضم أكثر من 20 أغنية من أشهر أعمال جاكسون.
ويؤكد جاي أن الجمع بين الغناء والرقص يمثل أحد أصعب جوانب أداء جاكسون، وأن الجسد يحتاج إلى تدريب مستمر حتى لا يتحول العرض إلى محاكاة بصرية، بل يظل تجربة موسيقية حية.
مشروع برازيلي على مسارح العالم
لم يبقَ مشروع ليني جاي محصورًا في البرازيل. فقد قاده حلمه إلى خوض مسار طويل من العمل والتدريب والعروض، قبل أن يصبح الواجهة الرئيسية للإنتاج العالمي «This Is Michael»، الذي جاب أكثر من 20 دولة وفق عدد من التغطيات، فيما تشير الجهة المنتجة إلى وصوله إلى أكثر من 25 دولة ومئات المدن.
وبحسب التغطيات، تجاوز عدد تذاكر العرض المباعة عالميًا 500 ألف تذكرة، في إنتاج يجمع بين الغناء الحي والرقص والموسيقيين والمؤثرات البصرية والإضاءة وتبديلات الأزياء، ضمن محاولة لإعادة بناء عالم مايكل جاكسون المسرحي، لا الاكتفاء باستعادة أغانيه.
وتزداد صلة العرض بالإرث الأصلي للفنان من خلال مشاركة أسماء عملت معه في مراحل مختلفة من مسيرته، من بينهم عازفة الغيتار جينيفر باتن (Jennifer Batten)، التي رافقت جاكسون في جولاته الشهيرة خلال عصور «Bad» و«Dangerous» و«HIStory»، وهو حضور يمنح العرض صلة مباشرة بذاكرة حفلاته الأصلية.
حين يأتي التقدير من الدائرة الأقرب
من أبرز المحطات في مسيرة ليني جاي غناؤه أمام لاتويا جاكسون (LaToya Jackson)، شقيقة مايكل جاكسون، التي شاهدت العرض ثم التقت به خلف الكواليس.
ويصف جاي تلك اللحظة باعتبارها واحدة من أكثر التجارب تأثيرًا في حياته، خصوصًا أن التقدير جاء من شخص ينتمي إلى الدائرة الأقرب للفنان الذي كرّس سنوات طويلة من حياته لدراسة أدائه وتجسيد حضوره.
وهنا تتجاوز المسألة حدود التشابه؛ فبالنسبة إلى فنان بنى جزءًا كبيرًا من هويته المسرحية على شخصية أسطورية، يصبح التقدير من أفراد عائلتها لحظة تختبر فيها تجربته كلها: هل نجح في الاقتراب من الصورة التي ظل يطاردها منذ طفولته؟
ليس مايكل جاكسون.. لكنه يحمل أثره
تكمن خصوصية تجربة ليني جاي في مفارقة أساسية: كلما نجح المؤدي في الاقتراب من الشخصية التي يجسدها، بقي مطالبًا بالحفاظ على المسافة التي تذكر الجمهور بأنه أمام فنان آخر.
فليني جاي ليس مايكل جاكسون، ولا يقدم نفسه بوصفه بديلًا عنه. لكنه يسعى إلى استعادة أثره المسرحي، وإعادة تقديم أغانيه وحركاته وروحه الفنية إلى جمهور لم يعش بالضرورة حفلاته الأصلية، وإلى أجيال جديدة تعرفه من خلال الموسيقى والصورة والذاكرة.
ومن هنا، لا يعمل «This Is Michael» بوصفه مجرد عرض استعراضي، بل باعتباره محاولة لإعادة تشغيل ذاكرة فنية توقفت لحظة غياب صاحبها، لكنها لم تتوقف عن التأثير.
من جدة تبدأ محطة خليجية جديدة
وبعد محطات الجولة في الكويت يوم 20 أغسطس، وجدة يوم 21 أغسطس، وأبوظبي يوم 22 أغسطس، قبل الانتقال إلى ساو باولو في 29 أغسطس، تأتي حفلة «عبادي الجوهر أرينا» بوصفها محطة بارزة في الجولة، ضمن برنامج «صيف جدة» الذي يواصل استضافة التجارب الفنية العالمية أمام الجمهور السعودي.
وفي جدة، لن يكون الموعد مجرد استعادة لأغاني مايكل جاكسون، بل محاولة لإعادة خلق أجواء حفلاته الحية بكل ما ارتبط بها من غناء ورقص وإضاءة وحركة واستعراض، يقودها فنان بدأ حكايته طفلًا برازيليًا وجد في الموسيقى طريقًا مختلفًا، ثم قضى سنوات من حياته في محاولة الاقتراب من فنان غيّر مفهوم الأداء الحي.
واليوم، يقف ليني جاي أمام الجمهور السعودي في 21 أغسطس، حاملاً السؤال ذاته الذي رافقه منذ البداية: كيف يمكن أن تقترب من أسطورة دون أن تفقد نفسك؟